“احنا هنفتح المقبرة عن طريق منال بنتك”

 

أحمد محمود شرقاوي 

سمعت الجملة دي وانا قلبي بيدق بعنف من راجل المفترض انه شيخ كان قاعد مع ابويا برة في اوضة الضيوف، مقبرة ايه اللي هيفتحها عن طريقي، وازاي ابويا بيتكلم معاه بالبساطة والهدوء ده..

كنت وقتها واقفة بتجسس عليهم عشان جسمي يتنفض على صوت ابويا بينادي عليا..

“يا منال”

رجعت بسرعة للاوضة بتاعتي وانا خايفة، رديت بصوت مضطرب عليه عشان يطلب مني اطلع للاوضة، طلعت وانا بتحاشى ابص للراجل الغريب ووقفت مستنية والدي يتكلم..

بس اللي اتكلم كان الراجل التاني، كان عجوز وعنده لحية بيضة وعين من الاتنين بيضا، ميتة خالص، بصلي واتكلم بهدوء:

– اخبارك ايه يا منال

رديت عليه بخجل:

– الحمد لله

– واخبار الراجل اللي بيجيلك وانتي نايمة

كلماته نزلت عليا الصاعقة، جسمي بدأ يرتجف ولساني وقف عن الكلام، هو عرف ازاي بموضوع الراجل اللي بيجيلي وانا نايمة، بصتله ومقدرتش انطق..

ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:

– روحي انتي دلوقتي يا منال

مشيت من المكان وانا متعصبة، لأول مرة محسش بالأمان وابويا موجود، وقفت احاول اسمع هما بيقولوا ايه، وبدأ الشيخ يتكلم:

– الرصد في المكان مش مؤذي خالص، ده عامل زي الملاك الحارس لبنتك، بس معرفش لما نحفر هنستفزه ولا لا، لأنه ممكن يغضب علينا، بس هو متعلق ببنتك اوي ولو هي وقفت على الباب هيفتحلنا الباب بدون أي مشاكل

حسيت بخوف رهيب لأول مرة في حياتي، رجعت اوضتي وانا ساكتة خالص، وفجأة سمعت صوت جرس، كأنه متعلق في رقبة حد وعمال يتهز، خرجت من اوضتي لقيت ديك ماشي في قلب بيتنا ومتعلق في رقبته جرس..

اتخضيت جدا وبقيت مش فاهمة حاجة، لقيت ابويا بيبتسم اللي هو ارجعي اوضتك، رجعت اوضتي وانا عمالة سامعة صوت الجرس، كان الصوت مزعج، مستفز جدا..

شوية وسمعت خبط على باب اوضتي، فتحت لقيت ابويا بيقولي ادخلي الاوضة التانية، وقفت اراقبهم لقيت الديك دخل ووراه الشيخ وابويا، وطلع الديك على سريري وفضل يلف حولين نفسه..

ابتسم الشيخ وقال:

– باب المقبرة تحت سرير بنتك

– وهنبدأ امتا يا شيخ

– الاسبوع الجاي هجيب الرجالة وعاوزك تفضي الاوضة كلها

– ماشي

وخرج الشيخ من البيت ورجعت الاوضة وانا مرعوبة، مقبرة ايه اللي انا بنام كل ليلة فوقيها..

طلعت الديك بقرف من اوضتي وطبعا طلب الشيخ ان الديك يفضل في البيت لحد يوم الحفر..

في الليلة دي معرفتش انام من الخوف والقلق، يمكن بدأت انام بعد الفجر، نوم كان كله قلق وتوتر لحد ما صحيت الضهر، وطول اليوم كان عبارة عن ازعاج بسبب الجرس المتعلق في رقبة الديك..

الديك اللي بقيت بكرهه لدرجة اني بتمنى ادبحه واشويه وارميه للكلاب تاكله، وخلص اليوم عشان الاقي نفسي في قمة الارهاق، محتاجة انام بأي طريقة..

ونمت..

وكالعادة الحلم اللي بيتكرر من يوم ما اتولدت تقريبا ويوميا، بشوف نفسي قاعدة في بستان جميل اوي، كله زهور بكل الألوان تقريبا، وواقف قدامي شاب وسيم جدا، ابيض عنده دقن مايلة للصفرا وعنيه بتلمع زي النجوم..

كنت بقعد على مقعد وسط الورود ويفضل يلف حوليا طول الليل، كأنه بيحميني، كنت ببقا مستمتعة جدا، بس انهاردة الأمر اتغير..

مكنتش في بستان، كنت واقفة في أرض مخيفة جدا، موحشة، كأني وسط وادي في قلب الجبل، وادي احمر زي الدم، ومن قلب الأرض شوفت كيان مخيف اسود ملوش أي ملامح، كأنه كائن هلامي، حسيت برعب كبير وكأني هقابل الشيطان شخصيا بعد لحظات..

شوية وبدأت ومضات غريبة حوليا، كأن ده البستان اللي انا واقفة فيه، بس ظهر الديك، وكان كل ما يجري تتحول الأرض الجميلة المليانة بالورود لأرض مخيفة، مرعبة زي اللي انا واقفة فيها دلوقتي..

الكائن الهلامي الاسود كان بيجري ورا الديك وهو بيصرخ زي الوحوش، وانا واقفة زي الصنم من الرعب، في النهاية لقيت الكائن بيبصلي بعيون مشتعلة بنار مخيفة وبيشاورلي بصوابع خرجت من جسمه ناحية الديك..

في لحظتها لقيت الديك بيطير لفوق وبينزل عليا، وصرخت بأعلى صوت وصحيت من نومي مرعوبة، جسمي كله عرقان، كنت محتارة وخايفة، عارف لما تفضل طول عمرك بتشوف كرتون وفجأة تشوف فيلم رعب..

اهو ده كان احساسي، طول حياتي بشوف حلم جميل، مبهج، انما الحلم ده كان مخيف لأبعد مدى، ولازال صوت الجرس عمال يرن في البيت كله، غطيت ودني من بشاعة الصوت وفضلت ابكي من الخوف..

وبكيت اكتر لما افتكرت امي اللي ماتت من ست شهور وسابتني مع بابا لوحدنا، وبدأ الحلم يتكرر كل ليلة بطريقة خلت نومي زي الجحيم، بقيت بخاف من النوم زي ما بخاف من الموت اللي خطف امي..

في الوقت ده دخل ابويا الاوضة، وشاف شكلي فأشفق عليا، اتكلم معايا بهدوء وقال ان ده فيه مصلحة كبيرة لينا، وانه واثق في الشيخ سماحة وانها كلها ايام ويبقا معانا فلوس كتير نشتري بيت تاني ونعيش زي الناس..

كلمته اني حاسة ان فيه كارثة هتحصل وان فيه حاجة بتحذرنا عشان منحفرش في المكان، حاول يطمني وقالي ان كل حاجة هتبقا تمام..

في نفس اليوم بالليل طلب مني والدي ادخل اوضته واقفل عليا الباب، وجه الشيخ سماحة ومعاه تلاتة حفارين، كان ابويا فضى الاوضة من كل حاجة..

وبدأ الحفارين يحفروا ويعبوا التراب في شكاير ويرصوها في الصالة، كنت شبه محبوسة في الاوضة ممنوع اخرج، بنت عندها ١٨ سنة مش منطقي تطلع وسط ناس غريبة زي دول، وفضل الحلم المخيف يلازمني كل ما انام، لحد ما اختلف الليلة..

شفت فوهة بركان مليان حمم ونار ملتهبة بس كان مسدود، وشوفت الحفارين عمالين يكسروا السد ده والنار عمالة تفور وهما مش شايفينها..

في اللحطة دي شوفته، الشاب الوسيم، قرب مني وهو غضبان وحزين جدا:

“سيتسبب ما تفعلونه في موتكم جميعا”

بصتله بخوف شديد واتكلمت:

– انا مش موافقة على اللي بيعملوه ده

– ولكنه قدر سيحرق الكل

– أرجوك ساعدني

بصلي وفضل صامت لأكتر من دقيقة، وبعدها وبدون مقدمات لقيته ذاب زي الثلج جوة جسمي، كأنه طيف اخترقني، وقتها حسيت بكهربا عنيفة مسكت جسمي كله وفضلت اتنفضت وانا نايمة مرة واتنين وتلاتة..

صحيت مفزوعة على هزة ابويا، قالي ان فيه حاجة لازم اعملها، المفترض اني هنزل الحفرة لانهم لقيوا الباب وهدبح الديك على الصخرة اللي بيقولوا عليها الباب..

حسيت وقتها انه هيغمى عليا من الرعب، بس والدي شدني بعنف وهو بيقول:

– يالا خلينا نخلص من الموضوع ده كله بقا

دخلت اوضتي اللي مبقتش اوضتي، كانت فيه حفرة مربعة عميقة جدا جدا وفيه سلم مثبت فيها عشان تنزل عليه..

كان التلاتة الحفارين واقفين، نزل الشيخ للحفرة وهو ماسك الديك ابو جرس وبعده انا وورايا والدي، كنا ماسكين كشافات وانا كل ما انزل بحس بقلبي بيتقبض وجسمي بيترعش اكتر..

كأنك بتغرق في قلب محيط مظلم وعمال تنزل اكتر واكتر، كنت باخد نفسي بالعافية وبتمنى اصرخ واهرب من كل ده..

في النهاية نزلنا لقاع الحفرة اللي يادوب استحملتنا احنا التلاتة، وسلط الشيخ النور على صخرة بارزة وقالي ادبحي الديك وخلي الدم ينزل عليها..

وبصوابع بترتجف مسكت سكينة وابويا ثبت الديك كويس ودبحته، ونزل الدم على الصخرة، بعدها الشيخ بدأ يتمتم بكلام غريب وقالي:

– قوليله يفتح يا منال

وغصب عني رددت بخوف:

– افتح

وفجأة اتهز المكان كله وانا ماسكة في بابا من الرعب وانزاحت الصخرة عشان تكشف مدخل واسع اوي، وابتسم الشيخ وضحك ضحكة جشع رهيبة..

في اللحظة دي حسيت بكل خوفي بيذول، وكأن فيه طاقة جبارة بتجري في جسمي، ودخل الشيخ جوة الفتحة، ودخل وراه والدي، وبكل غضب الدنيا طلعت على السلم وقولت للحفارين الشيخ بيطلب منكم تنزلوا عشان المقبرة اتفتحت..

ونزل التلاتة فورا، استنيت لما اختفى نورهم في قعر الحفرة لانهم دخلوا من الفتحة ونزلت وراهم، كنت حاسة بغضب تجاهم كأنهم قتلوا أمي مثلا، كأنهم خربوا حياتي ويستحقوا العقاب..

وقفت بكل غضب قدام الفتحة انادي، ولأول مرة الاقي نفسي بنادي ابويا بإسمه:

– يا مهدي

فضلت انادي بغضب باسم مهدي لحد ما لقيت ابويا طالع من الفتحة متعجب وبيقول بعنين بتلمع من الجشع:

– المقبرة مليانة دهب يا بت، مليانة خير كبير اووي

في اللحظة دي صرخت بكل غضب الدنيا:

– اقفل المقبرة

وفي لحظة اتهز المكان اوي ورجعت الصخرة مكانها، ابويا بصلي بذهول وطلب مني افتح الباب، بس انا سبته وطلعت فورا على السلم، فضل ينادي عليا بغضب شديد وطلع ورايا بسرعة، مسكني فوق الحفرة بعنف بس انا مسكت ايده بقوة رهيبة، ومسكت رقبته بإيدي التانية وهددته بالقتل لو قرب مني..

كنت حاسة ان فيه نار على عنيا مخلياني غضبانة، ولقيت نفسي بمسك تلفون حد من الحفارين وبقلب فيه وسط ذهول ابويا، وفجأة شغلت ملف صوتي، مكالمة مسجلة..

وسمعت المكالمة بين الشيخ والحفار:

– طيب والقسمة يا شيخ

– القسمة كلها لينا يابني

– ازاي بقا

– هنخلص من الراجل وبنته بعد ما نفتح المقبرة وناخد الحاجة ونمشي

– والبت دي حلوة يا شيخ

– ياعم ابقا خود غرضك منها بس نفتح البوابة، لان هي اللي هتعرف تفتح الباب

فضلت ازوم، ازوم وروحت رامية التلفون بغضب في الحفرة، ابويا كان واقف مصدوم مبينطقش، مسكت السكينة وهددته بالقتل لو مدفنش عليهم، ومن غير تهديد ابويا حس بالخطر الشديد وقتها، كان فيه تقريبا اكتر من تلت الاف شكارة مليانة تراب، ابويا بدأ يجيب ويفضي في الحفرة وانا كل اللي بعمله بذوم بغضب..

وبعد تلت ايام اتقفلت الحفرة، اتقفلت تماما، حتى ابويا جاب اسمنت وسيراميك وعمل بيهم الاوضة..

مفيش اسبوع واحد وابويا نفسه مات بدون أي سبب، وجت جدتي تعيش معايا في البيت، ورجعت انام في اوضتي فوق المقبرة، المقبرة اللي بقى مدفون فيها تلت حفارين وشيخ كان بيتمنى يقتلني انا وابويا..

والحمد لله ان ابويا مماتش مقتول على ايديهم في النهاية، بس للأسف بسبب اللي عمله بقيت عايشة زي الممسوسة لحد انهاردة، واختفى الحلم الجميل للأبد..

Read Previous

بالصور محافظ الغربية ينحني لأوائل الثانوية العامة في حفل تكريمهم

Read Next

وادي دجلة والإنتاج يودعان الدوري الممتاز بالتعادل

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: