الحرية والمسرح

 

 بقلم : دكتور / وليد لطفي أبو قورة

الحرية لاغنى عنها في المـسرح بكل عناصره ؛ لذا فإن سوف تتعرض المقالة لمفاهيم الحرية وعلاقتها بالعمل المســـرحي ، والحرية التي يتسم بها المسرح، والمسرح وعلاقته بالثورة، ثم تنتهي الورقة البحثية بـفن حرية المسرح ومجابهة استراتيجيات التسلط، وتأرجح المسرح العربي بين الحرية والتأخر.

    إن الإبداع في أي مجال ما هو إلا تجســـيد للحرية، والمسرح الحقيقي بحكم طبيعته الجماعية ممارســـة لفعل التحرر على مستوى الجماعة ، وهذا ما يميزه عن الأعمال الفنية الأخرى كالشعر والرواية والقصة ، إذ إنها ممارسة فردية لعملية الحرية . ولقد عبر الكاتب والشاعر جبرا إبراهيم جبرا عن المسرح بقوله: المسرح : الوجود والحلم ، ووصف المسرح بمدرسة الشعب .

    وكما يرى زكريا إبراهيم في كتابه ” مشكلة الحرية للتحولات الفلسفية العديدة ” أن معنى الحرية لا يتحقق إلا حين ينتظم مع ثنائية متعارضة حدها الآخر هو العبودية.

ويرى الباحث أن الحرية صراع دائم مع الواقع هدفه التغيير ، وبالتالي فهي فعل ثوري وراء الممكنات ، وجهد متواصل لتحقيقها.

    وإذا كان أي فعل إنساني مشروطا بوجود محيط زماني ومكاني ، فإن الحرية كفعل تشترط موقفا اجتماعيا كمسرحها .وعلى هذا الأساس فالحرية تتداخل في المسرح، تجادله و وتصارعه وتشتبك معه، وتدخل مع المسرح في حوار متصل، إذا الفعل المسرحي فعل تحرري.

    إن النص المسرحي دائما ما يفجر حوارا أو صراعا ، حتى لو كان منولوجا ، أو كما هو الحال في المونو دراما أو مسرح العبث أو مع الجمهور كما هو الحال في الدرامــا الشعبية. وفي كل تجربة مسرحية يتفجر نوع من الصراع ينتهي إلى التنوير الكامل.

    وقد تفرض صورة العرض المسرحي نفسها على الخيال كلما تأمل الإنسان مشـــكلة الحرية. وتعرج الدراسة إلى مثال في التجسيد المادي لبعض الشخصيات في مسرحية ” المصري وأميرة الفرنجة ” لأبي العلا السلاموني ، وهي تهتم بقضية حرية المرأة وحقوقها ، وتحريرها من التخلف.

    وقد لعبت الحرية دورا كبيرا في الأعمال المسرحية ، حيث جعلتها ترتكز على ثلاثة محاور:

 أولها : موضوع شعبي يخص القطاع الكبير من الشعب ، ويخاطب همومهم وأحزانهم .

 وثانيها : قالب بسيط لا يتعالى عليهم ، وإطار بسيط يتحرر من كل حواجز العزلة بينه وبين المواطنين.

  وثالثها : تقاليد من الفرجة الشعبية من موسيقى وأغان واستعراضات يتم توظيفها في تنوير الناس. وتبصيرهم بحقوقهم وحرياتهم . ولكن ، هل كل فعل مسرحي هو فعل تحرري ؟! .

      إن المسرح باعتباره نشـاطا جماعيا يلعب دورا خطــيرا في كشـف الواقـــع ـ رغـم أنفه ـ وزيفه، وفي زلزلة الأيديولوجيا ، مثلما فعل المسرح في الفترة التاريخية التي خضع فيها للمؤسسة الحاكمة ، كما حــدث في إنجلترا زمن عودة الملكية ؛ حيث فضح أيديولوجيتها المهيمنة ، من خلال كوميدياته الواقعية الإباحية في السلوك ، تحاور وتجادل دراماته المتشنجة والمتشــــدقة بالمثل والمبــادئ.وتكمن حرية المسرح في الطبيعة الثورية التي تميز ظرف تحقيــــق مشــــروع العرض المسرحي .وقد تنبه النقد في القرن العشرين للطبيعة الثورية للإبداع الفني باعتباره خروجا منظما على الأنسـقة المألــوفة ، فإذا كان إحــلال ضرب من ضـروب الكلام محل الآخر يعني ببساطة ـ القيام بثورة في المجتمع .

    طاقة الثورة التي يمثلها الإبداع في العناصر الأدبية المكتوبة (الشعر ـ القصة ـ الرواية ـ المقال ـ الخطب ) تتضاعف مــرات عديدة في حالة المسرح خاصة أنه ينشط على عدة مسـتويات علامــية تميزه عن سائر عناصر الأدب التي تعتمد على العلامات اللغوية وحدها .والمسرح يتفرد بأســلوب إنتاجه الجماعي المرحلي الذي لا يغرب المنتج الفني عن مبدعه أو عن ظرف إنتاجه المادي ، والذي يحول المسهتلك ، إلى طرف إيجابي يشارك في عملية الإنتاج ، وتجاوز حواجز القمع والتسلط .

   وتتمثل حرية المسرح في تخلل الرؤية الموروثة والعادات السائدة، وعلى تحدي الأيديولوجيا السائدة ، كل ذلك يرتبط بقدرة الكاتب أو المخرج أو الممثلين أو حتى الجمهور، بل هي شــرط مبدئي لوجود الظاهرة المسرحية ، لأنها تتمخض عن الحرية وتجاوز المعتاد ، وتصبح المسرحية هي الابنة غير الشرعية لأي نظام اجتماعي ، لأنها تولد خارج النظام ، والأنظمة بطبيعتها تدرك أن المسرح قوة مناوئة ، علاوة على ذلك أن المسرح لا يتطور بقرار سياسي ، بل يكون حصيلة تطور مجمل.

وتؤكد الدراسة ـ من هذا الأساس ـ أن الفعل المسرحي لايخلقه النظام الجامد ، بل يولد من رحــم فترات الانتقال والتحول التاريخي ،وحين يولد يبدأ في مجابهة النظام وتحديه ، وحينئذ يسعى النظام في مقاومته وتكبيله وتقليم أظافره، وتتنوع سياسات مقاومة الظاهرة المسرحية من جانب النظام كما يلي :

 الحصار الاقتصادي والإداري ( ضغط المعونات ـ الضرائب ـ منع الترخيص والممارسة للنشاط ـ وقف بناء المسارح) ، وكذا محاصرة الفعل المسرحي ومحاولة تعليبه وميكنة المسرح .

وهي من وجهة النظر الباحث من أخطر سياسات الحصار وتحجيم الظاهرة المسرحية ، وظهرت هذه السياسة في القرن العشرين ، عندما ظهر الفيديو والتلفاز والتكنودراما ، والمسلسلات التليفزيونية. وبالتالي هي دراما قلمت أظافرها ونزعت مخالبها الثورية ، أما الفعل المسرحي يتنافى مع هذا ، لأنه يرتبط بالحضور الاختياري في المكان ، وتحقيق التجربة المسرحية مشروط ببقاء الجمهور والممثلين لفترة معينة، ولا يستطيع أحد أن يمنعه من الخروج إذا أراد.

و رغم تثوير المسرح وحركته التنويرية إلا أنه مازال يعاني من هيمنة شبه كاملة تعود إلى :

طبيعة نشأة المسرح العربي ، فقد جاء المسرح من أوروبا الرأسمالية محملا بأساليب تحكمت في التمثيل والإخراج والديكور وتقاليد الاستقبال والتلفي ، فتوجه المسرح وجهة ترفيهية تجارية وتهميشية ، و نشأة المسرح في التجمعات البرجوازية ، أي في المدن والعواصم الكبرى،و توظيف الدين في المجتمع العربي كسلاح ضد التغيير ، فالتحرر يوصف بالانحلال الخلقي والنشوز في حالة المرأة .

وهذه السلبيات التي رصدتها الورقة البحثية جعلت المسرح العربي لا يظهر إلى النور ـ كمؤسسة شرعية معلنة ـ إلا في فترة خلخلة بنية التخلف التي بدأت باتصال العرب بالحضارة الأوروبية.

المـــراجـــع

عبد الرحمن الشافعي. (2002). تجربة في المسرح الجماهيري ( مجلة فصول عدد60). القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

محسن مصيلحي. (2002). قراءة في مسرحيتين لأبي العلا السلاموني ( مجلة فصول العدد61). القاهرة: الهيئة العامة للكتاب.

نهاد صليحة. (2009). الحرية والمسرح. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

Read Previous

حملات التفتيش الصيدلي بالتعاون مع التموين وحماية المستهلك بالمنصورة

Read Next

(نص بالعامية المصرية) بعنوان (جرح النفوس)

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: