الرغبة في التجاوز

بقلم : د/ وليد لطفي أبو قورة

أفسح الشاعر محمد الشهاوي المجال لنفسه أمام ملكة الخيال المبدع الذي استطاع به أن ينقل المحبوب من تجلياته المشاهدة في الكائنات و الأكوان إلى صورة قلبية أثيرة ، أو أخذته روحه السابحة في نهر الشفافية و الجمال المطلق إلى الاعتقاد بأن هذه الصفات الحسية ربما تكون من صفات المحبوب ، فأي امرأة – إذاً – التي يشرب النور من قدميها ، ويتدحرج ؛ليصافح في وجنتيها الصباح الجميل، إنه إعجاب بالجمال المطلق ، وعشق وهيام بالذات الإلهية :

هي امرأة

يشرب النور من قدميها

هاطلات السنا

و الندى ..

كى يُبل الصدى

و المغنى – هنالك محتدماً بأوار التراتيل –

يرسل للانهائي في مقلتيها :

بريد المواويل

وهو يناغم رقرقة الضوء إذ يتدحرج

فوق حبال المدى ..

ليصافح في وجنتيها الصباح الجميلا ( 1 )

ولم يكن ” الشهاوى ” وحده من نزع هذا المنزع في وصف الذات الإلهية بالمرأة ، فقد سبقه في ذلك ” عمر ابن الفارض ” فنجده تتحدث عن الذات الإلهية بضمائر التأنيث ، فالأبيات ظاهرياً تش بأنه يتغزل في امرأة ، وتتابع ضمائر التأنيث ( صفها ، أوصافها ، تقدم ، حديثها ، قامت ، …. ، بها ) ، وباطنياً تلمح بالذات الإلهية ؛ يقول “ابن الفارض” :

يقولون: لي صفها وأنت بوصفهـــــــــــــا خبير أَجَلْ عندي بأوصافها علم

صفاء ولا ماء ولطف ولا هـَــــــــــــــــوَا و نور ولا نارُُ و روحُ و لا جســـــمُ

تَقَدَّمَ كل الكائنات وجودهــــــــــــــــــا قديماً ولا شكلُُ هناك ولا رسـم

وقامت بها الأشياء ، ثم لحكمـــــــــــــة بها احتجبت عن كل من لا له فهـم

وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتـــ حاداً ولا جرم تخلله جِـــــــــرْمُ (2)

يستعمل الصوفيون المعاني الحسية للتعبير عن معان روحية ، وما ذلك إلا لتعدد احتمالات القراءة من ناحية ، ومن ناحية أخرى لتقريب الصورة للمتلقى ، وعندما سئل ” الشاعر ” عن المرأة الاستثناء ؛ قال: ” للقارئ الحق أن يتخيلها كما يشاء ، فالقارئ منتج النص وليس مستهلكاً له ” (3) .

ومن النقاد من يعد المرأة الاستثناء امرأة حقيقية بعينها ، ومنهم من يرى أنها مصر ، ومنهم من يرى أنها الذات الإلهية ، ويميل الباحث إلى الرأي الأخير ، وقد مال الدكتور ” سيد البحراوي ” إلى اعتبار امرأة الشهاوى امرأة كاملة هام بها الشاعر ، ووقع في غرامها ، ووصل وصفه لها إلى حد الخيال ، هذه المرأة هي الوطن ، فيقول : ” إنما هي امرأة كاملة ، هي حلم الشاعر الذي لا يمكن أن يكون – في نفس الوقت – إلا الوطن ” (4).

لكن الكاتب يحتمل أن تكون هذه المرأة الذات الإلهية ذلك ؛ لأن ” الشهاوى ” استخدم المفردات بعيداً عن معانيها المعجمية الضيقة ، فتجاوز الدلالة المعجمية المادية إلى النسائم الروحانية والابتهالات النورانية ؛ ليفيض شعره بالأغنيات الجديدة ، وتصبح الذات الإلهية هي طريق الولوج إلى لغة وعروض جديدين لم تعرفه القريحة العربية من قبل ، ومع أن تشبيه المرأة بالشمس قديم فى الشعر العربي إلا أنه تشبيه لم يسبق إليه من قبل ، فامرأة الشاعر دائمة الإشراق ، وقد استثنى الشاعر منها لحظة الأفول :

لينهر الشعر بالأغنيات الجديدة بين يديها

طويلا ..طويلا

ألا ..

وليؤسسْ

لغة وعروضاً جديدين

يستحدثان مقاييس أخرى ..

وذائقة .. وعقولا

هي امرأة

تشبه الشمس إلا أفولا(5)

وواضح أن النص حاول استثمار كل ما لديه من إمكانات لتكون امرأته خارقة للعادة ، فقد استثمر لفظة ( بلقيس ) ملكة سبأ الباذخة في المكانة ، وجعلها رمزاً للقبلية ، فهي قبل كل الجميلات ، نظراً “لتولدها بين العلم و العمل ، فالعمل كثيف و العلم لطيف ، كما كانت ( بلقيس ) متولدة بين الجن والأنس ” (6) ، ويتضح هنا تأثره بالقرآن الكريم وتداخله النصي مع ” محيى الدين بن عربي ” فى قوله : من كل فاتكة الألحاظ مالكة تخالها فوق عرش الدُّر بلقيسا (7)

وقوله : لـــــو أن بلقيس رأت رفرفها مــــــــا خطر العرش ولا الصرح ببا (😎

لقد تملك ” الشهاوى ” الحب الإلهي ، وجعله صاحب خيال كوني ، إنه يتجول في فراديس الذات الإلهية ، و يسوح في أغوار أغوار آلائها :

هي امرأة

قد تفرغت المعجزات لتشكيلها

و المقادير دهراً طويلا ً

هي امرأة وجميع النساء

سواها إدعاء

لها البحر من قبل بلقيس عرش

وكل المياه إماء

يخاصرها الموج في – نهم –

ممعنا في الصبابة جيلاً فجيلاً

أقايضها :

بدمي ..

وجميع دفاتر شعري .. مقابل :

أن أتريض عبر فراديس أبهائها

أن أجوس خلال أقاليم لألائها

أن أسوح بأغوار أغوار آلائها

أو أجولا( 9)

ويلاحظ من خلال لهفة الشاعر علىّ تتابع المضارع أنه جمال مطلق لا ينفد ، وقد تكررت أن المصدرية معبرة عن سرعة الشاعر في الارتشاف من هذا الجمال ، منتهزاً الفرصة غير متوان في أدائها .

ويتميز “الشعر الصوفي بشكل عام بتوجيهه الخطاب إلى أنثى ، هذه خصيصة ملازمة له ، فلقد اتخذ الشاعر الصوفي من المرأة رمزاً للذات الإلهية” (10).

ويؤكد الصوفية أن أعظم ظهور لله تعالى هو تجليه في المرأة للرجل وفي الرجل للمرأة (11) ، و الشهاوى ” لا يقصد من استغراقه في الصور المادية – ” يخاصرها الموج .. اتملى مفاتنها .. ملء أعطافها عبق ” – المعاني الجسدية التى تهدف إلى الحب الجسدي ، ولكنه ينحو إلى المعاني الروحية ، كما يقول: الدكتور / زكي مبارك : ” عجز الصوفيون في طــــول الأزمان عن إيجاد لغة للحب الإلهي تستقل عن لغة الحب الحسي كل الاستقلال ، والحب الإلهي لا يغزو القلوب إلا بعد أن تكون قد انطبعت عليها آثار الحسية ، فيمضي الشاعر إلى العالم الروحي ومعه من عالم المادة أدواته وأخيلته التي هي عدته في تصوير عالمه الجديد .

المراجع:

( 1) ديوان : إشراقات التوحد ، قصيدة ” المرأة الاستثناء ” ، صـ 26.

( 2) ديوان : ابن الفارض ، تحقيق ودراسة د/ عبد الخالق محمود ، عين للدراسات و البحوث ، مطابع دار روتابرنيت ، الهرم ، القاهرة 1995 م ، صـ 328 ، 329 .

( 3) حوار أجراه الباحث مع الشاعر.

( 4) د/ سيد البحراوى ، مقال بعنوان : الشاعر ما يزال نبياً ، مجلة الثقافة الجديدة ، عدد ( 123 ) ديسمبر 1998م .

( 5) ديوان : إشراقات التوحد ، صـ 24 .

( 6) محيى الدين بن عربي ، ترجمان الأشواق ، دار صادر ، بيروت ، 1386هـ – 1966م ، صـ 15 .

( 7) المرجع السابق ، صـ 15 .

( 😎 المرجع السابق ، صـ 108 .

(9) ديوان : إشراقات التوحد ، صـ 30 ، 31 .

( 10 ) د/ عبد الحكيم العلامي : الولاء و الولاء المجاور ، صـ 26 .

( 11) وليد منير ، الذات والعالم والمطلق ، مجلة فصول ، ع ( 60 ) ، 2002 ، صـ 106 .

قد تكون صورة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏وقوف‏‏

Read Previous

بالصور…جولة صباحية لمحافظ الغربية بالمحلة الكبرى وسمنود

Read Next

حدث فى مثل هذا اليوم :21 سبتمبر 1911 .. وفاة الزعيم أحمد عرابي ..

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: