الكذبة الأخيرة

بقلم فاطمه مندى

في الرابعة فجراً يعود إلى البيت، لا يطرق الباب، كان يتسلق سياج الحديقة بجسمه الثقيل، بحذر شديد، وعلى أطراف اصابعه العشرة. يمشي بهدوء، وبهدوء يندس تحت الحاف القطن، كهر أرغمه برد الشتاء القارص بالغوص تحت الغطاء.

كانت الزوجة تتحسس برودة قدميه عندما كانت تلامس قدميها الطر يتان.
يتظاهر كما لو أنه نائماً منذ البارحة، فعندما تسأله: متى جئت؟ ينتابه الصمت، بعض الأحيان يقول لها في الساعة العاشرة.

لا تبك لإ نها تكتشفت كذبة كل ليلة، لكنها تبكي لإ نها لم تجده يوما من الأيام صادقاً معها.
كأي ام، بعد أن تشرق الشمس تضع إناء اللبن على نار هادئة.
ثم تحضر
الإفطار لأولادها، ملابسهم ، حقائبهم، كل ما يحتاجونه.

وبينما كان القلق ينتابها من الصواعق والرعد، سمعت صوت طفلة تبكي في الشارع، فتحت النافذة المطلة على الشارع الرئيسي، وقد أخذها صوتها الى مكان جلوسها على الرصيف.
لبست معطفها وراحت تعبر الشارع وضعتها تحت المعطف وحملتها الى البيت.
أوقدت لها المدفأة، وراحت تجفف شعرها بمنشفة قطن، حاولت أن تعمل لها شيئاً يدفيء جسدها لم تسألها فقد غلب عليها النعاس وقد اسلمت جفنيها للنوم وراحت فى ثبات عميق، كانت عينيها العسليتين وحاجبيها الاصفرين يذكرانها بلوحة ما لفييتش الروسي.

لم تكن تهتم كما هي العادة عندما يتأخر زوجها عن سهراته الطويلة. أخذت الطفلة الصغيرة ووضعتها على سريرها
عسى أن تعرف لها طريق أو تجد اهلها في الصباح، وما أن سمعت صوت دقات الساعة تعلن الخامسة، حتى سمعت خطوات زوجها وهو يدفع الباب بهدوء كما لو انه لصاً قادم بحذر .

كانت المرة الأولى التي تسأله عن مجيئه في ساعة متأخرة من الليل.
لكنه هذه المرة اجابها بحقيقة لم تكن تتوقعها، إنها ليست هي الحقيقة عندما قال لها: أن إ بنة صديقه تائهة وكانوا يبحثوا عنها تحت المطر.
سمعت صوت الطفلة وهي تبكي فذهبت إليها واجلستها في حجرها، لحقها الزوج إلى الغرفة وهو يتسأل فى ذهول: إنها هي سبحان الله، أين وجدتيها ؟ ركضت الطفلة باتجاه الزوج
سر بها وأخرج جواله وتحدث للطرف الآخر: نعم وجدتها إنها هنا فى منزلى وجدتها زوجتي، نظرت إليه الزوجة فى ذهول واستنكار دون كلمة مر وقت قصير والزوج يتأمل الطفله فى شئ من أطمئنان ثم حملها على كتفه ولفها بزراعيه و اخذ يلثمها بالقبل حارة عازم الخروج من البيت.
اشبكت الطفلة يديها على رقبته بقوة، وراح يلثمها بالقبل، ما أن هم بالخروج من البيت حتى دخلت تلك المرأة وعلى كتفها حقيبة سوداء.
وقف الرجل كما لو أنه تمثال صخري ينظر إليها تارة وإلى الزوجة تارة أخرى.
لم تقل المرأة سوى هذه الجملة: قل لها ما تريد سماعه منذ سنين، قل لها أنى زوجتك منذ زمن وأن هذه الطفلة ابنتك فالحق ان تقول لها الحقيقة.

Read Previous

خاص .. بعد التهديد بعدم نزول التدريبات اجتماع عاجل بين لبيب و لاعبي فريق الكرة

Read Next

البرلمان العربي :استهداف ميليشيا الحوثي الانقلابية لمطار أبها الدولي جريمة حرب وتهديد للأمن والسلم الدوليين

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: