النابتة.. من هم؟ وما صفاتهم؟

بقلم: أد/ محمد إبراهيم العشماوي.

أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر.

هم قوم من أصحاب الحديث، حفظوا متونه وأسانيده، وبالغوا في ذلك، وقنعوا به، وغفلوا عن التفقه في معانيه، والتفهم لما يحويه، فروَوْا المتناقض، وجاؤوا بالغريب والشاذ والمنكر في العقول، فسموا بالنابتة – وهم الأغمار من الأحداث والغلمان، ممن لم يجاوز حد الصغر، ولم يجرب الأمور -!

وقد زعم بعض النابتة في عصرنا أن الشيخ علي جمعة هو أول من أطلق عليهم هذا اللقب، واستعمله فيهم، وأنه اخترعه، وقلده الأزهريون في إطلاقه واستعماله!

وهذا الزعم لا يخلو من أمرين: إما الجهل، وإما التدليس!

فهذا اللقب أطلق عليهم قديما جدا، لعله في منتصف القرن الثالث الهجري أو قبله أو بعده، وقد وجدت الإمام ابن قتيبة – وهو من أئمة أهل السنة الجامعين بين الحديث والفقه واللغة والأدب – يشير في كتابه (تأويل مختلف الحديث) إلى أنه كان يُطلَق عليهم هذا اللقب في زمانه، وهو متوفى سنة ٢٧٦ هجرية، ولم يُعْفِهم من اللوم بهذا التقصير الذي كان سببا في إطلاق هذا اللقب عليهم وغيره من الألقاب، بعد أن التمس العذر لهم في أنه وقع لهم ما وقع لغيرهم من أهل الفنون الأخرى من المؤاخذات!

فقال في الكتاب المذكور:

“وقد أخذ الناس على الشعراء في الجاهلية والإسلام الخطأ في المعاني وفي الإعراب وهم أهل اللغة وبهم يقع الاحتجاج، فهل أصحاب الحديث في سَقَطهم إلا كصنف من الناس؟!

على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل – اللوم – في كتبنا، في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقه بما جمعوا، وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجها، وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع لمن أراد الله – عز وجل – بعلمه، حتى تنقضي أعمارهم، ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب ولم تنفع الوارث!

فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه، مقبل على ما كان غيره أنفع له منه، وقد لقبوهم بالحشوية والنابتة والمجبرة، وربما قالوا: الجبرية!”. انتهى.

فانظر كيف حكم عليهم بضياع حظوظهم، وبإقبالهم على ما غيره أنفع لهم منه، حتى لقبهم الناس بألقاب مستقبحة ذمًا لهم، وعيبًا عليهم، وطعنًا فيهم، وكانوا هم السبب في ذلك!

ومن هذه الألقاب الحشْوية – وهم من يجمعون حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو من يخوضون في حشو المسائل، أو تشبيها لهم بحشو الناس وهم عامتهم – والجبرية؛ لأنهم انتهوا إلى القول بأن الإنسان مجبور، أخذا بظاهر النصوص، وربما سموا بالمجسِّمة لقولهم بالتجسيم!

فقد تبين لك أن لفظ النابتة أطلق على هذه الطائفة في منتصف القرن الثالث الهجري، أو قبله، أي منذ نحو اثني عشر قرنًا من الزمان، وأنه ليس لفظا عصريا مستحدثا، ولا هو من اختراع الدكتور علي جمعة ولا غيره، وأنهم علة مزمنة في جسد الأمة لم تبرأ منها حتى الآن!

والقصد من هذا المنشور هو إثبات أن اللفظ قديم مستعمل، لا جديد مخترع، بقطع النظر عن كونه صحيحا أم لا، ومن الذي أطلقه، ولأي غرض أطلقه، وبالله التوفيق.

لا يتوفر وصف للصورة.

Read Previous

رصف الطرق لعمارات “دار مصر” غرب المال والأعمال

Read Next

القصير و نظيره النامبيي يبحثان تعزيز التعاون الزراعي بين البلدين

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: