حياء المرأة

بقلم د. محمد متولي
الحياء قيمة من أعظم القيم الإنسانية، فهو من القيم ذوات الرتبة العالية، مثله مثل الحب والصدق والوفاء، ولم أشأ حين طرقتني فكرة كتابة هذه الكلمات، أن أكتب موضوع تعبير يهدف إلى الوعظ والإرشاد، أُذَكِّر فيه بأن الحياء شعبة من الإيمان، وأورد نص ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، فالحق أنني لم أرم إلى شيء ذلك، وإنما طرقتني فكرة حياء المرأة، بأثر مما نعاينه ونلمسه من أمرها في كل يوم! هل بقى من هذه القيمة في حياتنا شيء؟!
دفعني ذلك إلى تَذَكُّرِ أبيات من الشعر مررتُ بها فيما وصل إلينا من شعر الجاهلية والإسلام، تعلي من شأن هذه القيمة، وتصور أصحابها في صورة تذوب لها القلوب حبا وعشقا وطربا، ومن ذلك ما قاله الشَّنْفَرَى ذلك الشاعر الجاهلي الصعلوك، في وصف حبيبته أميمة (أم عمرو)، التي عزمت أمرها وارتحلت من غير أن تودع جاراتها، فراح يسرد أوصافها الجميلة، ومنها قوله:
لقد أعجَبَتْنِي لا سَقُوطًا قِنَاعُهَا إذا ما مَشَتْ ولا بِذَاتِ تَلَفُّتِ
كَأَنَّ لها في الأرْضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ على أَمِّهَا، وإِنْ تُكَلِّمْكَ تَبْلَتِ
فهو يذكر أن أشد ما أعجبه فيها حياؤها، واستقامتها وسمو أخلاقها ويصور ذلك في صورة سينيمائية حية نابضة. فهي عندما تمشي لا يسقط قناعها، ولا تَتَلَفَّت يمنة ويسرة لفرط حيائها، وإنما تنظر في الأرض وتمعن النظر فيها في حرص ودأب، وكأنما فُقِدَ منها شيء فهي تبحث عنه أثناء سيرها، وإن تكلمك تَبْلَتِ (ولا علاقة لهذه الكلمة بتابلت الثانوية)، وإنما المراد أنها إذا كلمتك فإنها توجز في كلامها ولا تُطيله، ولا تترك لك مجالا للخوض في الحديث!! وأغلب الظن أن حياء المرأة من أهم أسباب وقوعها في نفس الرجل العربي، حتى قبل أن يدعو الإسلام إلى الاستقامة والحياء، وكأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وعندما جاء الإسلام ودعا إلى التحلي بخلق الحياء، نجد في القرآن آية ترصد المرأة في هذه الحال، وكأنها سمة أصيلة فيها لا تتخلف، وهي أنها تبدو لفرط حيائها عاجزة عن الكلام، ولا تقدر على الجدال عند الخصام، وذلك في قوله تعالى « أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ»، فالمراد في الآية المرأة التي تنبت منعمة في الزينة تتحلى بها، وهي عند المخاصمة والصراع لا تكاد تبين، أي لا تقوى على الدفاع عن نفسها، ولا تستطيع مقارعة الحُجة بالحُجة، لفرط الحياء الذي يغلبها، فتبدو على حال من العجز والضعف عظيمة!
ومن بديع ما يروى في وصف هذه الحال كذلك قول ابن الدُّمَينْة (من شعراء العصر الأموي) فى وصف حياء الحبيب:
بنَفْسِي وأهْلِي مَنْ إذا عَرَّضُوا لَهُ ببعضِ الأذى لم يَدْرِ كيفَ يُجيبُ
ولمْ يَعْتَذِرْ عُذْرَ البريءِ ولمْ تَزَلْ به سَكْـتَةٌ حتَّى يُقــالَ مُــريِــبُ
فالشاعر يمجد حبيبه الذى يُلجمه حياؤه وأدبه الرفيع عن الرد على من يسيئون إليه، ويتهمونه بما هو منه براء، حتى ليضيق صدره ويرتبك لسانه ويحار قلبه، ويظل على حاله من الصمت، ولا يحير جوابًا حتى يصبح مظنة الشبهة والريبة، رغم أنه بريء من كل سوء!
وفي هذا الخُلق الجميل يقول المنفلوطي: «يعجبني من الفتى الشجاعة والإقدام، ومن الفتاة الأدب والحياء؛ لأن شجاعة الفتى ملاك أخلاقه كلها، ولأن حياء الفتاة جمالها الذي لا جمال لها سواه!».
وقال شاعر العروبة علي بك الجارم موجها حديثه للفتاة:
زِينَة ُ الوَجْه أَن تَرَى العَيْنُ فيه شَرَفًا يَسْحَرُ العُيُونَ ونُبْلا
فاجعَلِي شِيمةَ الحيَاءِ خِمارًا فَهْوَ بِالْغَادة الكَريمةِ أَوْلَى
ليس لِلْبِنْت في السَّعادة حَظٌّ ** إِن تَنَاءَى الحياءُ عَنْها ووَلَّى
طرقتني هذه المعاني وغيرها، حين كثرت في حياتنا المواقف التي تتفوق فيها بعض النساء على الرجال عنفا وقسوة وقوة وبذاءة، بل وصفعا بالحذاء، وإطلاقا لأصوات منكرة!! فلم تعد المرأة في زماننا -إلا من رحم- أم عمرو صاحبة الشنفرى التي إن تكلمك تبلتِ!! وإنما هي اليوم قادرة على أن تُبْلِتَكَ (تُخْرِسُك) وتُبلتُ أهلك أجمعين!!

Read Previous

ماهي الاسباب لعدم التخلص من الكرش ؟!

Read Next

حادثين بالطريقين الشرقى والغربى ببنى سويف

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: