عليكِ بالصبر 

 

بقلم الأديبة /حنان فاروق العجمي

نزل من السيارة مسرعاً ألم شديد برأسه

 لا يستطيع أن يفتح عينيه وكأن مطرقة تدق عظام جمجمته بصورة هيستيرية

 توجه إلى مدخل العمارة حيث يقطن

بحي من الأحياء الراقية وسط المدينة

 شرع في الضغط على زر المصعد

 أقبل موظف الأمن بالعمارة وقال له

يا أستاذ المصعد الزوجي مُعطل يحتاج لصيانة يمكنك الصعود بالمصعد الآخر للأدوار الفردية وتصعد سلالم العمارة دور واحد فقط توجه غاضباً ليستقل المصعد

أصابه الدوار فجأة بحث في جيبه

عن مفاتيح الشقة توقف المصعد بالدور السابع فتح الباب ثم توجه إلى يمين المصعد استعداداً للصعود للدور الثامن الذي يوجد به شقته وكان المفتاح بيده فتح الباب الظلام يُخيِّم على المكان سمع صوت زوجته من داخل غرفة المعيشة حيث كانت تجلس لمشاهدة التلڤاز ويبدو أنها تتحدث بالتليفون سمعها تقول

 لا لم يأتِ بَعد سيتأخر كالعادة وأظل هكذا إلى أذان الفجر أشاهد التليڤزيون

ولا أستطيع النوم توجه على أطراف أصابعه إلى الممر حيث غرفة المعيشة ليسترق السمع لحديث زوجته عبر التليفون

وقعت المفاتيح من يده على الأرض أصدرت صوتاً أسرعت زوجته وهي في حالة رعب من الصوت فلم تشعر به عند دخوله من باب الشقة وظنت أن هناك لص يقتحم عليها الشقة توجهت بحذر نحو باب الغرفة

ممسكة بيدها سكيناً كانت تستخدمه لتقطيع الفاكهة وإذا بزوجها يقف أمامها

صرخت بصوت عال والشحوب يملأ وجهها

فأجابها لا تخافي إنه أنا وطمأنها فارتمت على الكرسي المقابل لباب الغرفة ترتعش

وتقول له لماذا لم تُصدر صوتاً عند قدومك أو حتى ألقي التحية لقد تملكني الرعب الشديد وظننت أنك لص ألن تَكُفَّ عن هذه الحركات والقدوم بهذه الطريقة بكل مرة أقول لك سوف أموت يوماً بسببك ضحك وقال لها من اللص المجنون الذي يجرؤ على اقتحام شقة سكانها مُسلَّحين بسكاكين الفاكهة اطمئني اطمئني وقهقه بصوت عال متوجهاً لغرفة النوم لخلع البدلة التي يرتديها طوال النهار بعمله رمى ملابسه التي خلعها على السرير وارتدى بيچامتِه وارتمى على السرير وهي واقفة تنظر إليه بتَعَجُّب واندهاش شديد فلم يُكَلِّف نفسه عناء

 أن يسألها عن حالها أو عن أولادهما

أو حتى ينتظر لتقوم بتحضير وجبة العشاء وتجلس معه على المائدة ولكنها أصيبت بالإحباط فلم يكُن هذا بجديد عليه يعود

كل يوم متأخراً من عمله ويُلقي بنفسه

على الفراش ويَغُطُّ في نوم عميق

 إلى الصباح لكنها لا تعلم لماذا يدخل بهذا الشكل المريب لا يُصدر صوتاً ويصيبها بالهلع والرعب تركته وذهبت كعادتها

إلى غرفة المعيشة لتُكمل مشاهدة البرنامج

الذي تتابعه كل يوم بنفس الميعاد ثم بعدها تقوم بعمل كوب من الشاي لتتناول معه قطعة من الكيك أو البسكويت وبعدها تذهب للنوم ومرت أيامها بهذا الشكل الكئيب واعتادت على عودته بوقت متأخر من الليل مُتعب لا يلتفت إليها ولا يريد الحديث أو تناول الطعام وإنما فقط عليها أن تتركه لينام في هدوء وإذا حدث ووجهت له اللوم وشعُرت بالضجر تكون إجابته بعصبية شديدة ماذا أفعل لك أنا بعملي طوال اليوم وأعود بحالة تعب شديد

 لا أستطيع أن أجالسك وأقوم بتسليتك

وليس لدي الوقت لأسأل عن أحوالك وماذا أعددت من طعام والأولاد أنت أمهم وهم مسئوليتك وعليك الإهتمام بهم أنتِ بالمنزل طوال اليوم ولا تعملين إنما أنا أكد وأكافح وأعمل ليل نهار لتوفير المال لك ولأولادك ولطلباتكم وهكذا ينتهي الحوار بينهما ويذهب مسرعاً نحو باب الشقة ليفتحه ويذهب إلى عمله وظلت على هذه الحال وكانت لا تملك إلا الصبر ببعض الأحيان كانت تشكو إلى والدتها من وحدتها

وأنه لا يكاد يعلم أي شئ عن البيت أو عنها أو حتى عن أولادهما ولكن الأم بحكمتها ورجاحة عقلها تنصحها بالهدوء وأنه يعمل لتوفير حياة كريمة لها ولأولادها وتقول لها هكذا حال جميع الأزواج هذه هي الدنيا ويجب عليها أن تتحمل زوجها وتوفر له الجو الهادئ وأثناء محادثتها مع أمها عبر الهاتف وكعادة زوجها دخل من باب الشقة دون أن يُصدر صوت يُذكر وسمعها تشكو لأمها ودخل إلى غرفة النوم وهو بحالة غضب شديد ولم يتحدث إليها أو حتى يُعرب عن استيائه وهي تتعامل بشكل طبيعي معه ولكنه رسم بخياله أنها تحكي كل صغيرة وكبيرة لأمها عن حياتهم الخاصة

وأتى من العمل مبكراً ذات يوم وكانت تُحدِّث أمها لتطمئن عليها بعد ذهابها

 إلى الطبيب وعندما سمعته يتوجه

 إلى غرفة النوم في صمت قالت لوالدتها أنه قدم من العمل فما كان من الأم إلا أنها قالت لها اذهبي لزوجك عاد مُتعباً من عمله حَضِّري له العشاء أجابت أمها سوف ينام

 لا يريد شئ وهو كل يوم على هذا الحال

لا جديد وأنهت المكالمة مع أمها وذهبت لتراه فوجدته نائماً إلى أن أتى يوم الإجازة وطلبت منه أن يأخذها هي والأولاد للذهاب للنادي أو أي مكان بهدف التجمع العائلي سوياً فهم لا يرونه وطوال الوقت مشغول وقامت بفتح الموضوع وأعلنت عن رغبتها في وضع حد لهذا الحال فلن تعيش بالحياة وحدها وسط أربعة جدران وما كان منه

 إلا إبداء غضبه الشديد وثار ثورة عارمة وقال لها أما يكفيكِ أنك تقومين بالشكوى لأمك وتتحدثي معها عن حياتنا الخاصة وتُخرجين أسرار البيت أُصيبت بالذهول الشديد ولم تُصدق رد فعله وأنه كان يسمع كلامها مع أمها عبر الهاتف الذي هو كلام عادي بين أم وابنتها تشكو وحدتها وتنصحها الأم بالصبر والتريث ومراعاة زوجها لماذا يفعل ذلك هي لا تفهم

وازدادت الفجوة بينهما وشعرت بأنه لا يثق بها ويظن أنها تُخرج أسرار منزلهم الذي هو غير متواجد فيه على الدوام ولا يعلم عنه شئ ولكنها تحملت إلى أن تغيرت معاملته لها بشكل كبير وأصبح يصرخ بوجهها

 ولا يطيق البيت ولا الأولاد وفجأة طلب حقيبة وقام بوضع بعض من ملابسه استعداداً لترك البيت أغلق الحقيبة وقال لها مثل ما دخلنا بالمعروف نفترق بالمعروف أصابها الذهول لم تفهم لماذا يفعل ذلك يقوم باتخاذ قرار مصيري بهذا الشكل يتركها هي وأولادها بعد تحملها له وانشغاله المستمر عنها وعن أبنائه ماذا جنت حتى تستحق ذلك ألف سؤال وسؤال يدور برأسها تلاحقه بالكلام تذهب إلى باب الشقة تُغلقه بالمفتاح بحالة هيستيرية تقول له لن تذهب لأي مكان لماذا تفعل بي ذلك وبأولادك ماذا فعلنا لك يدفعها بعيداً ويأخذ المفتاح من يدها ويخرج إلى غير رجعة وقعت على الأرض مغشياً عليها صرخ الأولاد أسرعوا بطلب جدتهم لتأخذ أمهم للمستشفى حضرت الجدة وهي بحالة

صعبة ترتعش وأسرعت لتحملها من الأرض وذهبت بها إلى المستشفى قامت بالإتصال بزوجها بعدما علمت من الأولاد ما حدث

لم يرد على الإتصال ثم اتصل بابنه ليقول له أبلغ أُمَّك وجدتك لن أعود للمنزل صدمة لم تكن متوقعة وزوج لايتحمل مسئولية أبنائه ولا يعلم ما هو مفهوم الشراكة والحياة الزوجية القائمة على المودة والرحمة والزوجة الصبورة التي أطاعت أهلها وتحملت عيشتها بهذا الشكل مع زوج غير مبالي وأناني كان جزاؤها التخلي عنها

وإرسال ورقة طلاقها إلى عنوان شقة الزوجية وتطليقها غيابياً

وبعدها بأسبوع أعلن زواجه من عروسه الجديد التي تصغره بعشرين عاماً !!!

كانت هذه حكايتنا لليوم عزيزي القارئ وإلى لقاء مع حكاية جديدة من الحياة

بقلم الأديبة /حنان فاروق العجمي

Read Previous

ما سر انتشار الجلطات القلبية المؤدية للموت بين الشباب في هذه الأيام؟؟

Read Next

الاديبة حنان العجمي تكتب /لا تترك مجالاً للشك

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: