قطار هند السريع.. 

 

بقلم د/ أحمد أبو الحسن 

هناك صراخ في آخر العنبر كأنه قادم من قاع الجحيم.. الجميع يعرف مصدر الصوت أنه صوت صفية ذات السبعين عاماً، التي تعانى المراحل بعد الأخيرة من سرطان الكبد.. وإن شئت الدقة فقل أن سرطان الكبد يقاسي آخر معاركه معها بعد أن استولى على كامل جسدها.. وهى الآن على حافة الانهيار..

بعد أسبوع من وصولها اعتادت جميع الممرضات على صوت الصراخ بل وتكيفوا معه تماماً، فصاروا لا يسمعون شيئاً ولا يهتدون.. ربما كانت استراتيجية التكيف هذه هي الوسيلة الوحيدة لجعل هؤلاء الممرضات البائسات يواصلن الحياة فى هذا المستنقع..

ولكن هناك واحدة منهن لم تتكيف.. واحدة تمتلك سراً لا يعرفه أحداً.. “كانت هند”..

هند التي تشاجرت للتو مع موظف دفتر النوبتجية لأنه رفض أن يثبت حضورها لأنها أتت متاخرة

ها هي قد وصلت إلى عنبر إعداد الموتى أو ما يسمونه بالعناية المركزة، وضعت حقيبتها بعصبية على المكتب ثم أطلقت سُبّة ذكرت فيها والدة الموظف وجدته.. ثم نظرت الى صديقتها التي حاولت، دون جدوى، تهدئتها.. ولم تكد هند تفرغ من تغيير ملابسها لترتدي أجنحة الملائكة لتخرج وترفرف بها على المرضى وتنشر البهجة والسعادة في جنبات المشفى، حتى وصلت رئيسة التمريض وهي تمشي فى خيلاء وكأن والدها قد انتهى للتو من سداد آخر قسط من أقساط تملك المستشفى، لا أعرف ماهو سر الكراهية الموجودة بين أخصائيات التمريض والممرضات العاديات، هل هو الحقد الطبقى، لأن هؤلاء تخرجن من كليات والأخريات من مدارس تمريض عادية؟! أم هو العداوة التي تحدث عنها ذرادشت بأن كل امرأة هي عدوة للمرأة الأخرى؟!

 بعد استجواب قصير لهاتين البائستين، وبعض التعنيف عن إهمالهم فى إجراءات مكافحة العدوى، مثل; لماذا لم يتم كتابة التاريخ على هذه الكانيولا؟ أين سوار تعريف هذا المريض؟ لماذا توجد قطرة دم على هذا السرير؟ وهكذا… ثم أقسمت لهما أنها لن تنام حتى تقوم بإعداد مذكرة لمجازاتهما.. ثم خرجت ولم تسلم والدتها وجدتها هي الأخرى من لسان هند..

كل ذلك وصفية لم تتوقف عن الصراخ، ربما كان صوت الصراخ هيناً، ولكن عندما يتحول الى نحيب فإنه يدمي القلب فعلاً..

بعد أن فرغت هند وصديقتها من تنفيذ العلاج ومراجعة جميع الأجهزة، ومتابعة العلامات الحيوية لجميع المرضى.. كل ذلك وصفية لم تكف عن الصراخ.. عندها قالت هند مازحة : “أنا حاسة إن الست دى ماتت وحالياً بتتعذب في القبر، بس هو كان عملها اسود أوى كده عشان تصرخ بالشكل ده؟!”..

بدأت السهرة المعتادة، دردشة.. نميمة.. مزاح.. ألش.. الكثير من الألش.. الشكوى من غدر الصحاب.. والبكاء على الأطلال.. قصص متكررة معدة مسبقاً لتُروى فى جلسات السمر لتمضية الوقت.. ربما كان تغيير تمريض العناية كل فترة سبباً كافياً لتجد هند صديقة مختلفة تروى لها قصصها.. يتخلل كل ذلك الشاى والكوفى مكس والكيك المنزلي الرديء التي تصر كل أنثى مصرية أنها تصنعه كما يصنعه أي حلواني باريسي متمرس..

الصراخ لم يتوقف، ولكن أحداً لا يسمعه إلا واحدة.. واحدة يمر الصراخ بأذنيها كطلقة مدفع غوستاف.. ولكن رصيدها من الصبر لم ينفذ بعد.. إن السهرة ما زالت على ما يرام.. ربما عكر صفوها موظف الدفتر وأخصائية التمريض ولكن هند قد اعتادت هذا على أية حال..

الوقت يمر ورصيد هند من الصبر والتحمل على وشك النفاذ، والويل للمريض الذى يستنفذ رصيد هند، لأنه لا يعلم.. ولو يعلم أن هند، الملاك المرهف، تعانى من مرض نفسي ما كان ليجسر أبداً على استنفاذ رصيدها..

هند تعاني من اضطراب سداسي القطب، الكل يعرف اضطراب ثنائي القطب، ولكن مرض هند كان مضاعفاً وغريباً.. كل الأمراض النفسية غريبة على أية حال.. كل ذلك وصفية ما زالت تصرخ تارة وتئن أخرى وتعوي ثالثة..

كل ذلك وهند نفسها لا تعرف أن لحظة دخولها فى نوبات المرض قادمة..

ها هو الليل قد انتصف، وبعد ليلة طويلة من التعب.. وبعد أن تقاسمت مع صديقتها الوقت فى أن تنام إحداهن على السرير بالغرفة وأن تبقى الأخرى لمتابعة الحالات..

حاولت هند أن تغفو قليلاً على المكتب فى وضع نوم المحاضرات الشهير، ولكن كل ذلك وصفية تواصل الصراخ كأنها تداعب ذاك الشيطان الكامن في أعماق هند.. قالت هند فى نفسها “لم يمض سوى أسبوعين على آخر مرة”.. ثم استجمعت ما تبقى بداخلها من إنسانية وقامت الى صفية وهي تهدر وتزمجر مثل دبة، وأعطتها ما تبقى من نصيبها من المخدر، ثم عادت إلى خدرها تحاول أن تغفو، ولكن صفية لا تتوقف..

صوت المدافع وصافرات القطار يُدَوِيا برأس هند، فجأة فتحت هند عينيها وابتسمت بسمة شيطانية حنون، وقامت بهدوء وقامت بتعبئة محقن ب بخمسة أمبولات من الأدرينالين وذهبت الى صفية ومسحت على رأسها وابتسمت لها فى رقة ثم لثمت جبهتها، ثم وضعت المحقن بأوردتها وهي تنظر لها كأم حنون تهدأ طفلها فى مهده وتقول لها : “أعرف أن الحياة قاسية، وأن أولادك نائمين الآن في أحضان أزواجهم.. لم يعد أحد يسأل عنك.. لم يعد أحد يكترث لأمرك.. لكن هند الطيبة وحدها من تهتم.. أنا من سيخفف عنك الألم وأريحك من شقاء الرحلة.. نامي يا عزيزتي، ولتظفري براحة استحققتيها.. نامي يا عزيزتي إلى الأبد”

وهنا قد فرغ المحقن، وفرغت معها روح صفية.. واستعادت هند بسمتها الحنون.. وذهبت لتغفو في هدوء.. هدوء قاتل لا يكدره سوى صوت تكتكة الأجهزة الذي قد تكيفت عليه على أية حال..

Read Previous

وزير قطاع الأعمال العام يشهد مزادًا لبيع الأقطان بالفيوم 

Read Next

شريف أشرف و”اليوتيوبر” تقوى شريف «ترند يتخطى الـ3 مليون» بعد خطوبتهم(أعرف السبب)

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: