ملائكة ولكن

بقلم د/ أحمد أبو الحسن

في إحدى ليالي الشتاء المثلج، بينما تراتيل الفجر الشجية التي تذيب القلوب تنبعث من مئذنة ما، والليل وقد أرخى سدوله على كل شيء، الخدر البسيط الدافئ الذى صنعته هند من تذاكر المرضى، حيث جمعتهم كوسادة تغفو عليها وتريح فوقهم ساعدها المرهق الرقيق من قسوة المكتب المعدني حيث تنام، كانت تحاول أن تغفو قليلاً استعداداً لكارثة من المنتظر أن تحدث في أية لحظة، تنام مغمضة عينيها ولكن روحها يقظة كقطة.

صوت هاتفها يرن في تحفزٍ.. إنه زوجها التي تركته وأولادها الثلاثة في البيت، تفتح الخط لتسمع صراخ ابنتها ذات السنتين يدوي في الهاتف، يقطعه صوت زوجها ليخبرها أن ابنتها مصابة بحمى شديدة ولم تتوقف عن القيء، حتى تأكدت أن كل شبر من غرفة النوم تم تلويثه بعناية.

شعورٌ سيءٌ تملكها فجأة، كيف تقوم بخدمة كل هؤلاء المرضى ولا تستطيع الأن أن تكون فى خدمة طفولتها؟! أى عدل هذا؟!

وبينما كانت تقوم بوصف أماكن الأدوية وجرعاتها لزوجها، حتى سمعت صوت أحد أجهزة المونيتور يخبرها أن عليها أن تحضر فوراً، إن شيئاً ما ليس على ما يرام.. مشت حتى وصلت إلى عم محمد الذي نهش فيروس سي خلايا كبده، جسده الذي صار يصلح كصورة نمطية مكتملة المعالم لمريض الكبد في كل مراجع كتب الطب الباطني; الوجه النحيل الذابل، البطن الكبيرة التي تحتوي على خزان من السوائل، عيناه الصفراوان، وجلده الأسمر الرقيق المتجعد، وإن شئت الدقة في الوصف فقل إنه عبارة عن بطن يخرج منها رأس ورجلان وذراعان..

كان يشكو لها في توسل وبصوت متقطع واهن ويشير لها نحو صدره.. اقتربت منه هند حتى تفهم ما يقول، وفجأة انطلقت نافورة قيء دموي من فمه في وجهها.. شهقت هند لهول الصدمة.. صرخت ليدوي صوتها فى الفراغ،
ليرقد عم محمد بعدها مغشياً عليه.

ذهبت هند تهرول إلى غرفة الطبيب آخر الرواق، والدم والقيء يتساقط من وجهها على صدرها، ولكن لا بأس على أية حال.. هناك الكثير من الغسيل الذى ينتظرها فى البيت ولن تصنع ملابسها فارق كبير على أية حال، تجري بكل قوتها كأنها طفلة صغيرة، تدفع الباب وتنقض على الطبيب الذي وثب من سريره كأنما لدغته أفعى.. ثم تذهب لتوقظ زميلتها والتي يبدو أنها فقدت وعيها من منظرها..

طبول الحرب الصامتة تدوي هناك، معركة شرسة ستدور الآن.. بين الموت وبين طبيب بائس وممرضتين أشد بؤساً منه، من الذي سينتصر ويحتل جسد عم محمد..

يقف الطبيب ليصدر أوامره كأنه في معركة حقيقية، والتي دائماً ما تأتي متاخرة، لأن هند وزميلتها يعرفان جيداً ما عليهم فعله..

تم تركيب الكانيولات الواسعة ليتساقط بها شلال من المحاليل، ثم سحب عينة الدم، وهى الآن في طائرة نفاثة لبنك الدم، كما تم تجهيز السنتر لاين.. عمل بطولي عظيم استمر عدة دقائق تم بعدها إعلان النصر المؤقت.

إنها مجرد معركة، ولكن الحرب لم تنتهي بعد.. هم يعرفون جيداً أن الموت دائماً هو المنتصر، ولكنهم جنود نبلاء، جنود نخبة يابانيين مخلصين حتى آخر قطرة من دمائهم.. كل ذلك وهند لا تدرك أن وجهها وملابسها ملطخة بالقيء والماء..

ذهبت لتغسل وجهها ثم نظرت فى قطعة زجاج تم تثبيتها بلاصق طبي لتقوم بعمل مرآة، ثم لوهلة نظرت لوجهها فى رعب، كيف يمكن لهذا الوجه الملائكي وتلك البشرة النضرة وكل هذا الجمال الذي لا يستحق سوى المرطبات وكريمات التجميل والمعطرات; كيف له أن يتوسد تذاكر المرضى ويتلطخ بدمائهم؟! ثم تذكرت صرخات طفلتها وغرفة نومها فلم تتمالك نفسها وأجهشت بالبكاء..

فرغت هند من بكائها وذهبت لتغيير ملابسها، ستضطر أن تكمل اليوم بملابس الخروج الرسمية، ستحاول أن تبقيها نظيفة بأى ثمن حتى تتمكن من الذهاب إلى البيت.

ولكن من قال أن القصة قد انتهت؟! هناك قاعدة يعرفها جيداً تمريض العناية والطوارئ; أن المصائب لا تأتي فرادى، هنا تبدلت الأدوار، جاءت زميلتها هذه المرة لتعلن لها بدء الحرب على جبهة أخرى، تدفقت آخر قطرات أدرينالين متبقية فى غدتها الكظرية لتجعلها نشيطة كقرد صغير، أن الجبهة هذه المرة هي أمل..

أمل; فتاة في مقتبل عمرها، ولكنها مصابة بداء السكري من النوع الأول، وبضعف مزمن في عضلة القلب.. إنها تموت كل ليلة منذ عشرة أعوام تقريباً.. لقد كانت مثل زهرة ندية، ولكنها أخذت تذبل يوماً بعد يوم، وهند تعرفها منذ زمن لأنها إحدى الضيوف التي لا تتأخر كثيراً في زيارة العناية كل حين..

عندما ترى فتاة بهذا القدر من الوهن والتي تبدلت كل أحلامها في أن تتزوج وتصير أماً، إلى أن صار حلمها أن تحيا لليوم التالي، فان الشفقة تعتصر قلبك ولا تجد إلا أن تحبها، ولا ريب أن هند وكل من يعمل هنا قد صاروا أصدقائها على أية حال.. إن جهاز المونيتور الخاص بأسماء يعلن فى إصرار بدء المعركة، يجب أن يحضر طبيب القلب بسرعة، قضربات قلبها تتناقص، قلبها الواهن لم يعد قادراً على ضخ الدماء..

أحضروا جهاز الصدمات ورسم القلب، أمبولات الأدرينالين، الكل يجري هنا وهناك.. صوت المونيتور ينقطع ثم يرجع ثانية، لا.. ليس اليوم وليس الآن، الكل يتبادل على الإنعاش القلبي.. لا ليس الآن، أرجوك يا إلهى، يا إلهى الرحيم.. تعود ضربات القلب مرة أخرى ثم تتوقف ثانية، تعود وتتوقف مرة أخرى، ولكنهم ما زالوا يحاولون..

بعد استنفاذ كل المحاولات انتهت المعركة وانتصر الموت، ورحلت أسماء ولكنهم لم يرحلوا، لقد انقضوا عليها واحتضنوها وهم يبكون كما يبكى الصديق الوفي صديقه.. المكان كئيب، كئيبٌ جداً، والموت حين يأتي لا يرحم أحداً، إنها الآن الثامنة صباحاً، ولا تعرف ما الذي حدث لابنتها بالأمس، إنه وقت انتهاء العمل للجميع، ولكنه بداية عمل آخر بالنسبة إلى هند..

ذهبت تلملم ملابسها الملطخة بالدماء والبكتريا، وذكريات كئيبة وخيباتها لتذهب للبيت، ولكن عم سعيد مريض الفشل الكلوي الموشك على الموت قد وعدته بالأمس أنها ستذهب به على كرسيه المتحرك إلى جلسة الغسيل الكلوي تعويضا له عن رفضها الزواج منه، لأن عم محسن مريض سرطان القولون قد سبقه إلى الزواج منها، وهند حريصة ألا تجرح مشاعر أحد.. هؤلاء البؤساء الموشكون على الموت.

أحضرت الكرسي المتحرك، ساعدته على النهوض، أجلسته، عدلت هندامه، أخرجت خراطيم الغسيل التي تتدلى من رقبته خارج ياقة ملابسه..

كان عم سعيد الآن سعيداً كطفل صغير يوم العيد، جيبه مليء بالمال والحلو.. هند حسناء لها طلعة تسر الناظرين، ويبدو أن الجميع كان يحسده على هذه النزهة الصغيرة، حيث أن كل من رآءه يتمنى أن يحظى بنزهة كهذه ولو كان ذلك على كرسى متحرك..

كانت هند تجد السير وهي تمشي في رواق المستشفى، وكل خاطرها أن تسرع حتى تنجز أعمال بيتها، فهناك أطفال زغب الحواصل في انتظار إطعامهم وتجهيزهم للمدرسة، طفلة مريضة، وزوج ثائر لا يرضى عن شيء أبداً، ولا يتوقف عن اتهامها بالإهمال والتقصير في حقه وحق أطفالها، بيت مقلوب راساً على عقب، لا يوجد به شيء في مكانه الصحيح سوى الجدران، مطبخ لا يختلف حاله كثيراً عن باقي البيت.

كل هذه الأعمال لابد أن تنتهي قبل أن يعود زوجها من عمله، وأطفالها من المدارس، كي تطعمهم وتستعد لتذهب إلى عملها.. ليبدأ يوم جديد بمعارك جديدة وحروب طاحنة لا تنتهي أبداً، ولا يذكرها أحد..

Read Previous

ذات ليلة

Read Next

مي كمال تغني مع والدتها عفاف راضي في حفل العودة بدار الأوبرا المصرية

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: