قفزة الدولار المفاجئة: ملاذ آمن عالمياً أم أزمة تعصف بالسوق العراقية؟
صدمة الأسواق وحقيقة وضع العملة الأميركية شهد الدولار الأميركي هذا الأسبوع ارتفاعاً ملحوظاً أثار موجة من التكهنات في الأوساط المالية. البعض سارع للقول إن هذا الصعود يؤكد متانة الدولار كعملة احتياط عالمية بعد فترات من الشك، غير أن الواقع يحمل تفاصيل مختلفة تماماً. منذ تولي الرئيس ترامب منصبه في يناير من العام الماضي، ومسار الدولار يتجه نحو التراجع التدريجي أمام العملات الرئيسية الكبرى. هذا الهبوط المتكرر دفع الكثيرين للحديث عن تآكل مكانة الدولار عالمياً، لكن البيانات تنفي ذلك. استطلاع حديث لصندوق النقد الدولي أظهر بوضوح أن مديري الاحتياطيات حافظوا على استقرار حصصهم من العملة الأميركية طوال عام 2025. صمود هذا التوزيع رغم حالة الفوضى السياسية التي شهدناها يعكس حقيقة واضحة ومقنعة، وهي أن تجريد الولايات المتحدة من مكانة عملتها الاحتياطية دونه عقبات ضخمة، فهذه المكانة بنيت عبر عقود ولن تنهار فجأة.
التدفقات العكسية وملاذ الخوف المؤقت لفهم ما يحدث حقاً في أسواق العملات، يجب أن ننظر إلى محركين أساسيين لأسعار الصرف يتدخلان في التقلبات اليومية: توقعات قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، وشهية المخاطرة لدى المستثمرين. القفزة الحالية للدولار ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعامل الثاني. مع تزايد وتيرة الحرب وسعي النظام الإيراني للقتال من أجل البقاء عبر إطلاق الصواريخ لدفع أسعار النفط نحو مستويات قياسية، تزايدت مخاوف المستثمرين الأميركيين. النتيجة المباشرة كانت سحب رؤوس الأموال من الخارج وإعادتها إلى الملاذ الآمن. رأينا حركات تصحيح مشابهة لعودة الأموال إلى الداخل خلال الأزمة المالية العالمية في نوفمبر 2008، وجائحة كورونا في مارس 2020، وحتى مع التخبط الذي صاحب فرض الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل 2025. هذه التدفقات الناتجة عن الذعر لا تدوم أبداً. بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، ستنعكس الآية ويعود الدولار لمساره الهبوطي. ما نراه اليوم مجرد ضجيج قصير المدى ألغى تراجع شهر يناير المرتبط بأزمة جرينلاند، ولكنه لا يغير النظرة المستقبلية بضعف الدولار على المدى المتوسط.
ارتدادات الأزمة في السوق العراقية هذه التقلبات العالمية العنيفة والبحث عن الملاذات الآمنة لم تمر مرور الكرام على الأسواق الإقليمية التي تعاني هشاشة هيكلية. في العراق، تجلت الأزمة بوضوح في قفزة قياسية لسعر صرف الدولار في السوق الموازية، حيث تجاوز حاجز 151 ألف دينار لكل 100 دولار أميركي. هذا الارتفاع المفزع خلق فجوة هائلة مع السعر الرسمي المعتمد من قبل البنك المركزي والبالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار. لم يقتصر الأمر على العملة وحدها، بل امتدت حمى الارتفاعات لتشمل أسعار المعادن الثمينة كالذهب والفضة، لتسجل أرقاماً غير مسبوقة تزامناً مع هذا الاضطراب المالي. المتعاملون في أسواق الصرافة يعيشون حالة من الترقب الشديد وسط محاولات حكومية مستميتة لمنع حدوث أي تذبذب إضافي في الأسعار.
تحركات حكومية لاحتواء الصدمة المالية أمام هذا الوضع الضاغط، تحركت الحكومة العراقية لضبط الإيقاع وضمان استقرار سوق الصرف قبل تفاقم الأزمة. رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كثف اجتماعاته خلال الشهر الحالي مع كبار مساعديه، باحثاً عن حلول عملية لمعالجة الخلل المالي وتقليص النفقات، مع التركيز الشديد على تعظيم موارد الدولة وفقاً للقوانين النافذة. بالتوازي مع ذلك، حسم البنك المركزي العراقي موقفه تجاه مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لسنة 2026 بعد مخاطبة وزارة المالية بشكل رسمي. تم تثبيت سعر الصرف الرسمي عند 1300 دينار للدولار، وهو ذات السعر المطبق فعلياً منذ شهر فبراير من عام 2023. الآلية الجديدة واضحة وتعتمد على تسلسل دقيق لضمان وصول العملة للأسواق، حيث يشتري البنك المركزي الدولار من وزارة المالية بسعر 1300 دينار، ويضخه للمصارف بسعر 1310 دنانير، لتقوم الأخيرة بدورها ببيعه للتجار ولأغراض التحويلات الخارجية بسعر 1320 ديناراً.









