بين تعويم الجنيه وقلق المزارع الأمريكي.. الاقتصاد العالمي في مفترق طرق زراعي

لم يعد حديث الاقتصاد وقرارات البنك المركزي المصري مجرد أخبار عابرة تتناولها النشرات المتخصصة، بل تحول الأمر إلى الشغل الشاغل للشارع المصري، بدءاً من المواطن البسيط وصولاً إلى أروقة الحكومة ودوائر المال والأعمال. وبينما تبحث القاهرة عن طوق نجاة وسط أمواج التضخم وتذبذب العملة، تبرز الزراعة كحصان رابح وحيد، في وقت يواجه فيه المزارع الأمريكي على الضفة الأخرى من العالم مخاوف من نوع آخر تتعلق بمستقبل التجارة الدولية.

الزراعة.. طوق النجاة من فخ الديون

وسط هذه التجاذبات، يرى خبراء الاقتصاد أن الحل الجذري للأزمة المصرية لا يكمن في السياسات النقدية فحسب، بل في العودة إلى الأرض. أشرف محمود، المستشار الاقتصادي ذو الخبرة الطويلة في البورصة الكويتية، يرى أن تحرير سعر الصرف كان “شراً لا بد منه” وخطوة حتمية للقضاء على السوق السوداء، لكنه يشدد على أن الاستغناء عن الواردات الزراعية هو المعركة الحقيقية.

وفي السياق ذاته، تأتي الدعوات لتبني “مشروع قومي” يعتمد على سواعد الشباب لا الشركات الكبرى. المقترح الذي يتم تداوله في الأوساط الاقتصادية يتضمن تخصيص مائة ألف فدان، توزع بنظام القروض الميسرة بواقع ثلاثة فدادين لكل شاب. الهدف هنا ليس الزراعة العشوائية، بل التركيز الممنهج – بناءً على دراسات حكومية حديثة – على المحاصيل الاستراتيجية التي تستنزف العملة الصعبة، وتحديداً القمح والسكر، مع إعادة الاعتبار للقطن المصري. هذه الخطة، التي قد تستغرق ثلاث سنوات، كفيلة بنظر الخبراء بعبور مصر لمنطقة الخطر الاقتصادي وتوفير الأمن الغذائي الذي بات مهدداً عالمياً بسبب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

بين توقعات المصرفيين وواقع السوق

على الصعيد النقدي، لا تزال الرؤية ضبابية بعض الشيء؛ فبينما توقع محمد الإتربي، رئيس اتحاد البنوك المصرية، استقرار الدولار بين ٢١ و٢٢ جنيهاً، جاءت رياح السوق بما لا تشتهي السفن، حيث كسر الأخضر حاجز الـ ٢٤ جنيهاً في بنوك كبرى مثل كريدي أجريكول وأبوظبي الإسلامي، مما يضع الرهان على “سعر الصرف المرن” أمام اختبار صعب.

ورغم هذه التقلبات، تلقى الاقتصاد المصري جرعة تفاؤل دولية، حيث اعتبر جهاد أزعور من صندوق النقد الدولي أن رفع الفائدة وتحرير الصرف خطوات في الاتجاه الصحيح لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية. الدعم لم يقتصر على التصريحات، بل تُرجم لاتفاق ممدد بقيمة ثلاثة مليارات دولار، مع إشادة بضمانات تمويلية خليجية، مما يعزز الثقة في قدرة القاهرة على سداد التزاماتها الخارجية. وكما وصف الدكتور وائل عبد الله الوضع بدقة: “نحن كمن يقف في منتصف البحر، والإنتاج هو سبيلنا الوحيد لليابسة”.

رياح عدم اليقين تهب على المزارع الأمريكي

وبالانتقال من هموم الزراعة المصرية التي تسعى لتحقيق الاكتفاء، نجد أن القطاع الزراعي في الولايات المتحدة يعيش حالة من القلق، ولكن لأسباب مختلفة تتعلق بالتصدير والمنافسة. ففي ديسمبر ٢٠٢٥، سجل مؤشر “بارومتر” الاقتصاد الزراعي تراجعاً ملحوظاً، مدفوعاً بضبابية الموقف التجاري والمنافسة الشرسة القادمة من أمريكا الجنوبية.

المزارع الأمريكي الذي كان ينظر بتفاؤل للصادرات، بات اليوم يخشى من تآكل حصته السوقية، خاصة في محصول الصويا الحيوي. البيانات تشير بوضوح إلى تصاعد القلق من “البعبع البرازيلي”، حيث أعرب ٨٤٪ من منتجي الذرة والصويا عن مخاوفهم من قدرة البرازيل التنافسية، وهي نسبة ضخمة تعكس تحولاً جذرياً في المزاج العام للمزارعين الذين بدأوا يخفضون سقف توقعاتهم لنمو الصادرات خلال السنوات الخمس المقبلة.

التعريفات الجمركية وتناقضات الاستثمار

المثير للاهتمام في المشهد الأمريكي هو تراجع الثقة في “سلاح التعريفات الجمركية”؛ فقد انخفضت نسبة المزارعين الذين يعتقدون أن التعريفات ستدعم الاقتصاد الزراعي، بينما تضاعفت نسبة “غير المتأكدين” من جدواها على المدى الطويل. ورغم أن أسعار الأراضي الزراعية سجلت أرقاماً قياسية جديدة، إلا أن الغالبية العظمى من المزارعين (٦٠٪) يرون أن الوقت الحالي غير مناسب لضخ استثمارات كبيرة في مزارعهم.

هذا التباين بين مصر التي تسعى لزراعة أرضها لتوفير الدولار، والولايات المتحدة التي تخشى كساد محاصيلها وفقدان أسواقها، يرسم صورة معقدة للاقتصاد العالمي في ٢٠٢٦، حيث يبقى “الأمن الغذائي” و”سلاسل الإمداد” هما الكلمتان المفتاحيتان لتجاوز الأزمات، سواء في دلتا النيل أو في سهول الغرب الأوسط الأمريكي.