من خلق الله ..؟؟

 

قلم الشريف  أحمد عبدالدايم

سؤال كان ومازال يثير فضول بعض الأذهان، فهو سؤال عقائدي يبدو معقدا، لكن تكمن أهميته أنه من الأسئلة التي تؤسس العقيدة لهذا تحتاج لرد مبسط ومقنع، لاسيما وأن الإجابة على هذا السؤال تبدو فلسفية معقدة.

ولا نغفل أن مثل هذه الأسئلة التي تبدو محرجة ومعقدة، وكثيرا ما يأتي الرد على التساؤل (من خلق الله؟) يقابل بالزجر والنهي عن التفكير في هذا التساؤل معللين ذلك بأنه بداية للكفر والعياذ بالله.

لذا نطرق هذا الباب الشائك ونوضح أبعاده وحقيقة الله لكي نقف على حدّ المعرفة الصحيحة، بلا زجر لنتعرف (من خلق الله؟).

وقبل الخوض فيمن خلق الله لنبدأ كيف تم الخلق في بداية الخليقة، وسوف يتضح بجلاء هل مع الله خلق آخر وهل له نِدّ معه فى الخلق أو شريك.

وإن كان له شريك ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في الألوهية، لكي يستحق أن نطلق معه وعليه كلمة ((الله))، وما هي الخصائص الهامة في الألوهية -:

• الذاتية:

مفهوم الذات ويُعرف أيضا باسم تكوين الذات أو الهوية الذاتية أو الهيكل الذاتي، ويتفاعل مع تقديرالذات والذات الأجتماعية ليكوّن الذات ككل، ويشمل مفهوم الذات في كل من الماضي والحاضر والمستقبل، في حين تمثل ذوات المستقبل (أو الذوات الممكنة)

وتجتمع التعاريف المختلفة للذاتية معًا في الفلسفة، غالبا ما يستخدم هذا المصطلح في تفسير ما يؤثر على آراء الناس فيما يخص الحقيقة أو الواقع؛ هي مجموع الإدراكات، والتجارب، والتوقعات، والفهم الشخصي والثقافي، والمعتقدات الخاصة بشخص معين.

فالله سبحانه وتعالى يملك صورة أوسع في الكيان (الذاتية) الذي يملك قوة، والذي يتصرف على أساسه ويملك قوة على أي كيان آخر ذاتي .

• السرمدية:

سرمد (مفرد) دوامٌ لا بدء له ولا نهاية وتلك سَرْمَدِيَّة الله عز وجل تفرّد بالأولية.

إذن كيف كانت بداية الخلقْ:

تبدأ القصة.. قبل وجود البشر، وقبل خلق السماوات والأرض، وقبل خلق العرش، وقبل خلق القلم.

نجد العملاء يختلفون في أولية الخلق، منهم من قال القلم بداية الخلق، ومنهم من قال الماء هو بداية الخليقة، وصنف ثالث من قال إنه النور و الظلمة هي أول الخلق.

لكن الكثير من العلماء قالوا هو “عرش الرحمن” بداية الخلق من الأزل،

عن عمران بن حصين قال إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الكرام وسلم :”كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض”.

يتضح من الحديث الشريف بأن العرش والماء هما أول الخلق، ثم تلى بعدهما خلق “القلم” الذي كتب على اللوح المحفوظ، ثم خلق السماوات والأرض وما بينهما.

أما عن الماء : هو أصل جميع المخلوقات ومادتُها وأولها على الإطلاق وبها خلق الله جميع المخلوقات.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ قَالَ: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم “‏ مِنَ الْمَاءِ ‏”.

ماهو وصف العرش والكرسي:

الله سبحانه وتعالى خلق العرش على الماء، مخلوق له قوائم من ياقوتة حمراء ، هو سقف الكون وأعظم المخلوقات، وأعلاها، البُعدْ بين قُطريه مسيرة 500 عام، وتحمله الملائكة (حملة العرش) بفضل كلمة لا حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم.

وعن وصفهم عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قَال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إنَّ ما بينَ شَحمةِ أذُنِهِ إلى عاتقِهِ مَسيرةُ سَبعِمائةِ عامٍ” الراوي جابر بن عبدالله.

وقال الله تعالى: “الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا”غافر 7.

وقال تعالى أيصاً: “وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ” الحاقة 17.

كما قال تعالى: “وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” الزمر 75 .

عن ابن عباس قال – قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطبيين وسلم: “إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطًا، كأطيط الزحل الجديد من ثقله.

 العرش : كالقُبة على العالم وفوق الجنة، وسقف المخلوقات، والله سبحانه وتعالى مستو على عرشه، عالٍ على خلقه.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قَال، قال النبي صلى الله عليه وآله بيته الكرام وسلم قال:

(إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن)؛ فهو الوسط وهو الأعلى، ولا يكون الوسط هو الأعلى إلا إذا كان الفردوس مستديراً كالقبة، وهذا يدل على أن الجنة مستديرة الشكل وليست مربعة ولا مسدسة، إذ لو كانت مربعة أو مسدسة لما كان الوسط هو الأعلى، فالذي وسطه أعلاه هو الشيء المستدير، والفردوس فوقه عرش الرحمن، وهو مستدير، بل إن الأفلاك كلها مستديرة، السماوات والأرضين والجنة، فكلها مستديرة الشكل.

وقد ذكر عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله الكرام وسلم قال :

(سَلُوا اللَّهَ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهَا سُرَّةُ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْفِرْدَوْسِ لَيَسْمَعُونَ أَطِيطَ الْعَرْش)، وهو تسبيحه وتعظيمه وما ذاك إلا لقربهم منه.

أين كان الله قبل الخلق:

عن أبي رُزين العقيلي رضي الله عنه قال: أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه” رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي.

وقد إذن الله عز وجل في خلق السماوات والآرض، وقد أبتدأ الله جل في علاه في خلق الأرض أولاً، ثم خلق السماوات سبعاً، وهكذا كان البناء من الاسفل إلى الأعلى، ثم بعدها دُحيّتْ الأرض، ثم أُخرج ما فيها من الماء المرعى.

قال تعالى : (والآرض بعد ذلك دحاها، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) النازعات الأيات من 30الى32.

وخلق الله السماوات السبع وما فيهن من الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وجعلهم زينة للسماء بهم، وخلق الأنهار والبحار والجبال والأرضين في ستة أيام.

قوله تعالى : “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ” السجدة الأية 4.

وفي إحدى حوارات “الدكتور مصطفى محمود” فى هذا عندما أعطانا مثال للعرائس التى صنعها الإنسان بيده، وتخيل أنها تتحدث مع بعضها البعض، حيث كانت تعتقد بأن الانسان الذي صنعهم ودب فيهم الحركة، يشبههم في الصنعة، من حيث الحركة وغيرها.

ونسوا بأنهم ليس كمثله لأنه هو الذي صنعهم بيده وأوجد فيهم الشىء الذي يجعلهم يتحركون به.

لذا لابد أن نقف عند حد الأدب مع الله ونعلم جيداً لا يتساوى الخالق بالمخلوق، مهما زاد علمه وعبقريته، لأن خالقه أقوى منه وهو الذي جمع عظامه ولحمه وجعله بشراً سوياً .

الختام:

حينما تسأل من خلق الخالق، سوال خطأ، لأن العقل يقتضي إذا كان الكون مخلوقاً فلابد له من خالق غير مخلوق.

والخطأ في السؤال لأنه لابد سببٍ أول، فعندما تقول من خالق السبب الأول، فإنه لم يعد أولاً، بل أصبح سبباً ثانياً، كأنك تقول في سؤالك ( ما طول الضلع الرابع للمثلث؟).

القصد.. بأن قانون السببية يُطبق على الأمور الحادثة فقط .

بمعنى إذا دخلت مكتبك ورأيت أن مكانه تغير، تسأل من غيّر مكان مكتبك، لأن تغير مكانه أمرٌ حادث، ولأن الله عز وجل أنه السبب الأول فليس حادثاً حتى يكون له مُحدثْ، بل هو خارجٌ عن إطار المادة التي خلقها، وغير محكوم بقوانيها، مثلما ذكرنا من قبل فى صناعة الإنسان للعرائس.

وهذا السؤال قد أجاب عنه النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث البخاري وسلم قال: ” يَأْتي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقُولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بَلَغَ ذلكَ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ.

والانتهاء هنا يعني عدم الإسترسال والإستمرار مع هذه السلسلة من التساؤلات بعد هذا الحد .

وهو ليس حجرٌ أو تعطيل على العقل، بل هو الموقف العقلي الصحيح، لأن (من خلق الله؟) كما تم الشرح هو سؤال يُخالف البدهيات العقلية، والبدهيات العقلية هي التي ينطلق منها الإنسان على الإستدلال، لأنه يطلب لها أدلة ليستمر في سلسلة البراهين والتعليلات.

ولإجابة هذا السؤال دلّنا النبي صلى الله عليه وعلى آله الكرام وسلم على السورة القاطعة والدامغة للشك.

قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) سورة الإخلاص.

بمعنى الذي يسأل هذا السؤال كأنه يقول لنفسه ما الذي أفعله؟ أنا أُخالف العلوم الفطرية الضرورية، إذن فالنقف عند هذا الحد وإلا نُهدر عقولنا.

وقد يسأل شخص آخر: ولكن ماذا لو كان هذا السؤال يفرض نفسه قهري فماذا أفعل..؟

الإجابة: إذن هو وساس خنّاس، تعامل معه كما تتعامل مع وسواس الوضوء أو وسواس الصلاة هل غسلت يديك الشمال اولاً أو اليمين في الوضوء أثناء الصلاة، وهل صليت ركعتين أو ثلاث داخل الصلاة، كل تلك من الوسواس الخناس، فهل تحتاج إلى برهان أو إستدلال، أو تستعيذ الله من الشيطان الذي يوسوس لك، وتنتهي عن الشكوك الذي يثيرها لك لإخراجك عن الصلاة والخشوع فيها.

وهكذا تفعله في حالة السؤال ( من خلق الله؟). والله تعالى وأعلم…!

Read Previous

عبد العاطى : نهدف لتحقيق الإستغلال الأمثل للموارد المائية والوصول إلى أعلى إنتاجية من المحاصيل الزراعية

Read Next

رجل الظل في قطاع غزة من عام “48 و حتي عام 67 “

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: