عطر الأحباب نور الهدى 

 

كتب مصطفى بيومي 

صوتها يبدو كأنه هابط لتوه من السماء، فهو صاف بكر نقي لم يتلوث بعكارات وسخافات الأرض. في وجهها ذلك النوع الاستثنائي الفريد من الجمال الطازج الذي يبث الراحة والشعور بالسعادة التي لا عهد للبشر بها، أما الجسد ففيه مزيج من روعة الحسي والروحي، كأنها طفلة ناضجة تسبق عمرها، أو أنثى تأبى التفريط في طفولتها.

مع الجميلة نور الهدى “1924-1998” يشعر المستمع دائما بما تعنيه كلمة “الواحة”. عندما تتحول الحياة إلى طوفان من التفاصيل والجزئيات المزعجة، تحيل الوجود إلى صحراء في نهار صيفي قائظ، تشرق فجأة شجرة عملاقة وارفة الظلال، يهرول إلى ظلها الرحيب الحائر المتعب ويتجرع شربة ماء باردة، تتسلل إلى أعماق الجسد والروح، وعندئذ يُغفر لليوم الثقيل ما فيه من إساءة وكآبة. ابتسامتها أيضا، وليس الصوت وحده، تبث الثقة وتدعو إلى التصالح مع العالم والتغاضي عن سيئاته وأخطائه وخطاياه.

باستثناء أم كلثوم، القيمة الفنية الشامخة التي يُظلم بالضرورة كل من يُقارن بها، تتربع نور الهدى فوق قمة غناء القصائد، القديم منها والحديث، وينم أسلوبها الفذ في الأداء عن إحساس مرهف بأعماق الكلمات وروح اللحن. إنها تضيف إلى القصيدة وتستكملها، وتترك بصمتها. من يصغي إليها وهي تشدو بشعر الأخطل الصغير :”نم إن قلبي فوق مهدك.. كلما.. ذُكر الهوى صلى عليك وسلما”، يوقن أنها صديقة حميمة وليست قارئة عابرة لكلمات الشاعر الكبير، وتغوص في الطبقات المحجوبة المخبوءة. كذلك الأمر وهي تبارز نونية ابن زيدون الشهيرة :”أضحى التنائي بديلا عن تدانينا”، وموشح “عبث الحب بقلبي فاشتكى”.

تعانق نور الهدى ذروة الإبداع والتألق والتوهج مع رائعة أحمد شوقي :”يا جارة الوادي طربت وعادني.. ما يشبه الأحلام من ذكراكِ”. عندما تتغنى بالكلمات دون موسيقى، تتحول الطبيعة إلى آلات عزف تصاحبها وتطرب لها. من يشاهد أداءها، لا بد أن يتوقف طويلا أمام وجهها وأسلوبها الفريد في تحريك كتفيها والتلويح بيديها، كأنها تعيش في عالم خاص تأبى أن يقتحمه غريب. لا تجتهد في فهم النص والتواصل معه، بل إنها “نص” في ذاتها.

بين عامي 1943 و1953، شاركت نور في بطولة عدد كبير من الأفلام السينمائية الغنائية ذائعة الصيت، أبرزها مع فريد الأطرش ومحمد فوزي. قد لا تكون ممثلة بارعة ذات شخصية مختلفة عن غيرها من المطربات الممثلات في المرحلة التاريخية، لكن المشاهد يستمتع عند مرآها بوجهها الطيب المريح، مانح الثقة والأمان والمرح والرغبة في الإقبال على الحياة. نسمة حانية في ليلة صيف، غروب شجني شتائي ملون يحرر الخيال، عصر يوم خريفي يحار المرء في الإمساك بطبيعته ولا يستطيع أن يميز بين الضحك والبكاء، لكنه يعرف يقينا أن جوهر السعادة المشتهاة هو معايشة مناخ منعش كهذا.

في منتصف الخمسينيات تعود إلى لبنان، ومثل ليلى مراد تعتزل مبكرا وتعيش في الظل أو ما يشبه الظل، ولا تقدم إلا أقل القليل. ما أروع المسيحية الأرثوذكسية التي تحمل اسما إسلاميا لا تُعرف إلا به، ومن الذي يذكر اسمها الحقيقي الكسندرا نقولا بدران؟.

ما السر في الابتعاد المبكر غير المبرر، وما دوافع الزهد في الزواج، وكيف أنفقت سنوات الوحدة الطويلة في أخريات عمرها، وما شعورها بعد تدمير شقتها البيروتية في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية؟. هل كانت تصغي إلى تسجيلاتها القديمة في رضا صامت وتهز رأسها في بطء، كأنها ترفع مرغمة راية اقتراب الرحيل، أم كانت تدندن بكلمات أغنيتها الجميلة الدافئة :”إن جيت للحق أنا زعلانة.. واخدة على خاطري وغضبانة”؟.

Read Previous

عاجل .. الأهلي بطلاً لكأس الكؤوس الأفريقية ٢٠٢١

Read Next

السفير الفلسطيني : إنعقاد القمة الثلاثية الفلسطينية المصرية الأردنية تتويج للشراكة بين الدول الثلاث في كافة المجالات

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: