الكذب داء والصدق دواء

 

بقلم/ احمد زايد

أضحى الصدق سلعة نادرة في زمن إنتشر فيه الكذب في المجتمع ، ولبسه الصغير قبل الكبير والسبب هو التخاذل وغياب الوازع الديني والأخلاقي ، فما أسهل أن تقول كلمة ترمي بها كذبا فتنجوا أو تقضي مصلحتك لقد كان رسول صلى الله عليه وسلم يربى أصحابه رضي الله عنهم على الصدق، فكان يحثهم على إلتزام الصدق ونبذ الكذب والابتعاد عنه. قال عبدالله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا” فهما طريقان: أحدهما يوصل إلى الجنة ويبدأ بالصدق، والثاني يوصل إلى النار ويبدأ بالكذب. عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يحدث عند النبي صلى الله عليه وسلم بالكذبة، فما يزال في نفسه، حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة” فعن عامر بن ربيعة قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها، تعال، أعطيك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما أردت أن تعطيه؟” قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة”. وفي هذا الحديث من التربية النبوية تقرير لقاعدة كبرى في تنشئة الطفل. فإن الصغير إذا رأى الكبير يكذب. اعتبر ذلك أمرًا سائغًا، فنشأ على الكذب فلو جاء هذا الطفل إلى أمه بعد أن قالت له: تعال أعطيك، ثم لم تعطه شيئًا لاستساغ الكذب لنفسه أولًا، ولَما صدق أمه إذا قالت له: تعال في مرة أخرى ثانيًا. وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على التحذير من الكذب، عن أسماء بنت يزيد قالت: أُتَيِ النبيُّ بطعام، فعرض علينا، فقلنا: لا نشتهيه، فقال: “لا تجمعن جوعًا وكذبًا”.

إن من أراد الصدق فعليه تطهير نفسه من الكذب، جده وهزله، وتلك هي الإستقامة التي ربى عليها الرسول الكريم أصحابه. لان الصدق من الأخلاق الحميدة التي أمر الله تعالى بها وأقرّها الإسلام أما الكذب فهو من أبرز صفات المنافقين، التي ينبغي للمسلم أن يحذرهاوهو من الصفات البغيضة التي تُنافي الحقيقية وتُساعد في أنتشار الزور،. وأعلم عزيزي قارئ المقال أن الصدق ينوّر وجه صاحبه ويمنحه الجلالة والمهابة بين الناس، أما الكذب يُسقط هيبة صاحبه ويجعله في وضعٍ سيء لأن الكذب حبله قصير، لهذا بمجرّد اكتشاف الحقيقة سيُصاب الشخص الكذاب بالإحراج ولن يستطيع أن يُواجه الناس، وسيشعر بالعار لأنه كذب عليهم وغيّر الحقيقة، أيضا الصدق سببٌ لنيل رضى الله تعالى عن العبد وسببٌ في رفع درجاته في الدنيا والآخرة، ومنه يأخذ الأجر الكبير والثواب العظيم، ويستطيع الصادق أن يكتسب محبة الناس وثقتهم.

و الصدق يمنع حدوث المشكلات بين الناس، ولا يتسبب بوقوع الظلم على أحد، عكس الكذب الذي يُسبّب حدوث الفتن والمشكلات الكبيرة ويُسبب بإيقاع الظلم على الناس وتضليل العدالة، والصدق يجعل المجتمع إيجابيًّا ليس فيه أي غش أو تدليس، فالمُشتري يأخذ البضاعة من البائع وهو واثقٌ أنه لم يكذب عليه في جودتها، والقاضي يحكم بالعدل بناءً على شهادة الشهود الصادقين، أما قول الزور فهو قمة السلبية التي تجعل الشخص لا يثق بأيّ أحد، فينعدم الاستقرار وتنعدم الطمأنينة في المجتمع بأكمله، ولهذا من واجب الآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم معنى الصدق والكذب وأن يخبروهم بالثمار التي يجنيها الصادق، وينفروهم من الكذب ويبينوا لهم عواقبه الوخيمة وكيف أنه يقلب حياة الشخص رأسًاعلى عقب أما عواقب الكذب تجعل الكاذب في موضع شبهة دائمًا حتى لو قال الصدق فيما بعد فلن يُصدقه أحد لأنه أعتاد الكذب في كلّ وقت يجب على الإنسان أن يتحرّى الصدق في كل شؤون حياته، وأن يبتعد عن الكذب حتى لو كان من باب المزاح، وذلك لتجنب الضرر الذي قد يحصل من عدم قول الحقيقة، ولو فكر الكاذب في العواقب التي حصلت نتيجة تزوير الحقيقة لاكتشف أنه مخطئ بشدة، فكم من أخبارٍ كاذبة تسببت في ظلم الناس وخراب بيوتهم، وكم من كذبة كان يعدّها البعض بيضاء تسببت في جرح قلوب الناس، ولهذا يجب تجنب جميع أنواع الكذب وخاصة الإشاعة، لأنّ الإشاعة تأتي من مصادر غير موثوقة وتُسبب تغيّر الأحوال وإحداث حالة من التوتر والقلق بين الناس، وهذا كله تنعكس آثاره على سلامةالمجتمع، ، كما أنّ الكذوب يُعطي نموذجًا سيئًا عن نفسه للآخرين، وينفر منه الناس ولا يأخذون برأيه في أيّ شيء، كما أنه يكون قدوة سيئة لأبنائه ولا يربيهم بالطريقة الصحيحة. وعندما يتمعن الناس في الفرق بين أن يكونوا صادقين أو أن يكونوا كاذبين يكتشفون أنّ الصدق ينجيهم من كل شر ويجعلهم متصالحين مع أنفسهم لا يخافون أي شيء لأنهم أرضوا الله تعالى وعملوا بما أمر، والله تعالى يُحب الصادقين، إذ يقول تعالى في محكم التنزيل في سورة التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، والصدق من أهم صفات الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- والتابعين من بعدهم، ولهذا أعدّ الله تعالى لهم جناتٍ عرضها السماوات والأرض جزاء صدقهم وتجنبهم لقول الزور، وبالمقابل أعدّ للكاذبين عقابًا على كذبهم وافترائهم، خاصة أؤلئك الذين يقترفون أشدّ أنواع الكذب وهو الكذب على الله ورسوله واختلاق كلام غير صحيح ونسبته إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، بالإضافة إلى الكذب الذي يكون أثره مدمرًا ويُسبب نهاية حياة إنسانٍ بريء. يجب على الإنسان أن يستعيذ من الكذب في كلّ لحظة، وأن يُحاول أن يكون صادقًا رقيق القلب لا يقبل على نفسه التلفظ بأي قولٍ أو أن يفعل أيّ فعل ما لم يكن هذا القول صادقًا، (فالصدق )مثل قارورة العطر المليئة بالرائحة الطيبة، ما إن يتلفظ الإنسان بأي شيء صادق حتى تفوح رائحة العطر هذه وتنشر الخير في كلّ مكان، لهذا على كلّ شخص أن يُحافظ على الرابطة التي تربط بينه وبين الأشخاص الصادقين، وأن يتجنب مخالطة الكاذبين حتى لا يصبح مثلهم ويعتاد على طريقتهم في قول الزور وتغيير الحقيقة وظلم الآخرين الذي ينتج عن كذبهم. قال الإمام علي – رضي الله عنه – :

واطلبهم طلب المريض شفاءه * ودع الكذوب فليس ممن يصحب

يعطيك ما فوق المني بلسانه * ويروغ عنك كما يروغ الثعلب

واحذر ذوي الملق اللئام فإنهم * في النائبات عليك ممن يحطب

اللهم جنبنا الرياء والسمعه واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وصدورنا من الحسد وأعيننا من الخيانة – اللهم استجب وتقبل يا رب العالمين.

Read Previous

تركت امسي

Read Next

الفيلم المصري “سوبر داون” دعوة لدمج أصحاب متلازمة داون في المجتمع

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: