الخواطر العشماوية الصُّوَر ودورها في الدعوة إلى الله تعالى!

 

بقلم: أد/ محمد إبراهيم العشماوي. 

أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر. 

قبل نحو عقدين من الزمان كانت بعض الجماعات الدينية تحرِّم التصوير بجميع أنواعه، حتى الفوتوغرافي، وكانوا يطمسون رؤوس الصور إذا رأوها، في جمود عجيب على ظواهر النصوص، من غير إعمال عقل في فهمها، أو حتى إعطاء الفرصة للمخالف ليقول رأيه فيها!

وكان رأي الأزهر الشريف وجماعة العلماء الثقات قد استقر على أن التصوير الفوتوغرافي لا يدخل ضمن أنواع التصوير المحرم؛ لأنه لم يكن موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تشمله أحاديث التحريم والنهي، فضلا عن أن علة التحريم غير متحققة فيه؛ لأنه حبس ظل، لا أثر فيه لصناعة البشر، ولا تظهر فيه المعالجة، بخلاف النحت والبناء والتركيب والرسم – وهو أقرب الصور المرادة في أحاديث النهي!

ثم إن التصوير الفوتوغرافي قد أصبح ضرورة عصرية، فأكثر المعاملات تعتمد عليه، فعلى فرض القول بتحريمه فهو جائز للضرورة!

على أنه يمكن فهم الأحاديث الواردة في تحريم التصوير، في ضوء عللها ومقاصدها، كأن يقصد صاحبها مضاهاة خلق الله، أو تعظيمها من دون الله، فهذا لا شك في تحريمه، ولعن فاعله، بلا خلاف!

فأما إن كان قصده تعليمياً – كدراسة الفنون الجميلة والآثار – أو تجارياً أو ترفيهياً – كلُعَب الأطفال – أو خِدْمِيَّاً أو تِقَنِيَّاً – كالروبوت – أو نحو ذلك من المقاصد المشروعة؛ فقد زالت علة التحريم، وبقي الأمر على الإباحة!

وقد ظل موقف هذه الجماعات الدينية على هذا الجمود؛ إلى أن سنحت لهم الفرصة بالمشاركة في الانتخابات، والكتابة في الجرائد والمجلات، والظهور في الفضائيات، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليكون لكل منهم صفحة أو موقع، يطل من خلاله على الناس، فتغير الموقف الجامد؛ لتصبح الصور اليوم حلالا، بعد أن كانت بالأمس حراما!

وهكذا دائما هم في كل موقف، لا يستمعون إلى صوت العقل والحكمة إلا بعد فوات الأوان، أو بعد أن تنزل بهم ضرورة ملجئة!

وليس من شك في أن الصورة اليوم من الوسائل المهمة التي يستعان بها في التعليم والإعلام والدعاية وغير ذلك من مناحي الحياة!

وليس من شك أيضا في أن لها أثرا عظيما في ترسيخ المعاني وتقريرها، وتبديل القناعات وتغييرها، وتهييج العواطف وتهدئتها، وترشيد العقول وتهيئتها!

إن الصورة فن من فنون الكلام بليغ، لكنه كلام صامت، بلا حرف ولا صوت، ولا رسم ولا خط، لا يُسمع، ولا يُقرأ، ولكن يُبصر، ويُشاهد!

بل إن الصورة في كثير من الأحيان قد تغني عن كثير من الكلام، وتقوم مقام مئة خطبة، ومئة منشور، وهي أقرب في الإقناع من الكلام المسموع والمكتوب، فلو قلت لك: إن شيخ الأزهر فضيلة الدكتور أحمد الطيب؛ رجل صوفي، ينتمي إلى الطريقة الخلوتية، ويحضر مجالس الذكر؛ ربما لا تصدقني، لكن لو نشرت له صورة وهو في ساحة آل الطيب بالأقصر، يجلس في وسط الذاكرين؛ فلا شك أنك تبادر بالتصديق!

والصورة – بعدُ – أشد جذبا لانتباه المتلقي من الكلام؛ ولهذا ترى أكثر المنشورات تفاعلا؛ المنشورات المشتملة على صور!

وأنا حريص على أن أرفق صوراً بأكثر المنشورات؛ لهذه المعاني كلها، وأراها وسيلة مهمة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى في عصرنا، لا ينبغي للدعاة أن يفرطوا فيها، بل عليهم أن يضاعفوا الاهتمام بها، والتفنن فيها، ومهما ظهرت لهم وسيلة يمكنهم الاستعانة بها في البلاغ عن الله، ثم لم يأخذوا بها؛ عُدُّوا مقصِّرين!

ولم أَرَ في عيوب الناس عيباً

كنقص القادرين على التمام!

Read Previous

عمارة لها تاريخ … بيت العصابة

Read Next

الشيخ محمود على حسن يخطف الأضواء في فرح بنت نقيب قراء كفر الشيخ

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: