“انا شوفت واحدة متسلسلة بسلاسل حديد و واقفة في قلب المقابر”

 

بقلم: أحمد محمود شرقاوي

وده كان أقسى مشهد انا ممكن اشوفه في حياتي، وكأن الجحيم اتجسد في صورة امرأة قررت انها تعبث مع الأموات، فما بالك بواحد من الأحياء قرر يراقبها في ظلام الليل، وبين شواهد القبور، أعتقد هنا إن الموت هيبقا أقسى أمنياتك في اللحظة اللي هتلمحك فيها، وانا من سوء حظي شوفتها وشافتني، وشوفت الجحيم على الأرض..

لعنة مخيفة نزلت على بلد كاملة، لعنة اتسببت في ٢٠ جريمة قتل لحد دلوقتي، وكل الجثث بتشترك في حاجة واحدة، الجثث بتبقا مقطوع منها الدراعين والرجلين، ومرمية في قلب المقابر، المنظر بيبقا في قمة البشاعة والرعب لما كل كام يوم نسمع صياح من ناحية المقابر عشان نلاقي حد طالع وبيصرخ ويقول ان فيه جثة جديدة..

مرة واتنين وخمسة وعشرة لحد ما بدأت منطقة المقابر تتحط في نطاق المنطقة المحظورة اللي ممنوع حد يقرب منها، حتى بعض العائلات بقت بتروح تدفن في بلاد تانية عشان ميدخلوش المقابر خالص..

بس الاسوأ بدأ يحصل لما اتطور الموضوع وبقا فيه ناس بتروح للمقابر بالليل وكأنها مجبرة على كدا، عشان نصحا الصبح على صراخ من بيت في القرية، وتقع القلوب من مكانها، وده لإن فيه شخص مفقود، وبنبقا عارفين اننا هنلاقيه جثة متقطعة في المقابر، وبيكون فيه شهود بيقولوا انهم شافوه بالليل ماشي ناحية المقابر..

بعض الناس وصل بيها الحال انها بقت تربط نفسها بسلاسل من حديد في السرير عشان ميصحوش بالليل ويروحوا ناحية المقابر، البلد وصل بيها الحال لدرجة مخيفة، ريحة الموت بقت ماشية مع الهوا في الجو، البهايم اصيبت بحالة من النحافة غريبة والأرض بقت بتطلع محصول قليل..

وبقا واضح ان اللعنة دي هتفضل تاكل في البلد وأهلها زي السرطان لحد ما تبقا خراب في خراب، وانا كنت بشوف كل ده، وكنت بموت من الخوف لمجرد التفكير اني ممكن أشوف حد من أهلي جثة متقطعة في يوم من الأيام..

واستمر الحال من سيء لأسوأ، كل شهر تقريبا نلاقي جثة جديدة في المقابر، جثة من غير رجلين ولا ايدين، العين بتبقا متشالة من مكانها واللسان مقطوع، حتى ان الشرطة مقدرتش توصل لأي حل وبقا حضورها شرفي عشان التحقيق ودفن الجثة..

لحد ما وصل العدد لعشرين جثة، البعض ساب البلد كلها والبعض مقدرش، لأنه معندوش أي مأوى تاني، لحد ما جت الليلة اللي قرر الجحيم يحط اسمي جواه..

يومها حصلت مشكلة كبيرة عند عمتي واتصلوا بيا عشان اروح، كان جوزها عامل خناقة كبيرة معاها وبما ان ابويا راجل كبير فقررت اروح انا، كنت فاكر اني ساعة وهحل المشكلة، بس للأسف فضلت لحد الساعة ١٢ بالليل بتكلم معاهم وبحاول استوعب عمتي اللي كانت عاملة زي الفرن المولع..

في النهاية ربنا قدرني على حل المشكلة، عرضوا عليا ابات عندهم بس مقبلتش وقررت اني اروح، طلعت على الطريق الساعة ١٢ بالليل مش لاقي عربية واحدة بس، ساعة كاملة مستني عربية تعدي لحد ما فين وفين لقيت عربية نقل كبيرة، شاورت لصاحبها وفعلا وقفلي..

قولتله اني رايح القرية الفلانية وقالي في طريقي تعالى، قعدت في الكابينة الضخمة وسرحت بأفكاري، شوفت عبير قدامي وبتخيل اننا بقينا متجوزين، هل هعمل معاها مشاكل زي جوز عمتي كدا، لا طبعا مستحيل، دنا اقطع لساني قبل ما ازعقلها حتى..

يا سلام يا واد يا رومانسي..

ما تنشف ياض شوية..

ياعم انت مش عايز تسبني في حالي انا زهقت منك..

بقولك بحبها يا جدع..

ابتسمت من كتر الاصوات اللي بتتردد في راسي عشان بعد ثواني الاقي العربية بتقف والراجل بيقولي:

– وصلنا يا استاذ

بصيت حوليا ووقع قلبي بين ايديا، هو انا سرحت لدرجة اني مخدتش بالي ان الراجل هينزلني على مدخل البلد اللي ناحية الغيطان مش المدخل الرئيسي..

بصتله بخوف وقولتله:

– انت مطلعتش ليه ع الطريق الرئيسي

– ماهو ده اقرب ليا وبعدين ما مدخل البلد اهو برضه

شكرته ونزلت وانا بترعش من الخوف، وده ببساطة اني هعدي الغيط دي وهلاقي نفسي في قلب المقابر، ولازم اعديها عشان اوصل لقلب البلد، الله يخربيتك يا عمتي انتي وجوزك..

وتخيلت وقتها مشهد الجثث اللي شوفناها متقطعة اللسان والعين، وافتكرت اني قلت في نفسي اني هقطع لساني لو زعقت لعبير، ياخوفي أحسن حد تاني اللي يقطعهولي..

طلعت موبايلي وملقتش شبكة خالص، المكان كله ضلمة والغيط قدامي عاملة زي أرض الأشباح، قرأت أية الكرسي وكام دعاء وقررت أمشي من الطريق الوحيد اللي قدامي ده واللي ربنا كاتبه هيكون..

القمر كان مختفي والجو برد، والغيط ضلمة مش عارف حتى اشوف مكان خطواتي، بس واحدة واحدة عنيا بدأت تاخد على الضلمة، وصلت لأخر الأرض الفاضية عشان اواجه شواهد القبور الضخمة، ومكنش قدامي غير اني امشي بينها عشان اوصل للبلد نفسها..

خدت نفس عميق وخطيت للمدخل، لحظات بس ولقيت عن يميني وشمالي شواهد القبور عاملة زي الحراس العمالقة، الجو كان كئيب ورغم البرودة حاسس ان مفيش هوا اتنفسه، قبضة غريبة مسكت صدري وحسيت اني متراقب، بس طبعا مكنش ينفع استسلم لأي هاجس مخيف، لازم اكمل مشي لحد الأخر..

ولمحت القبر ده عن يميني واللي كان مالوش باب، وحسيت برغبة قوية اني ابص فيه، بس قاومتها وكملت مشي، كنت عمال اردد المعوذتين واحساس اني متراقب عمال يزيد جوايا، وفجأة جالي الجواب لما لمحت جسم ماشي بين القبور..

استخبيت بسرعة ورا قبر وفضلت اراقبه وانا كاتم انفاسي وان كان صوت ضربات قلبي هيفضحني من قوته، بصيت لقيت الجسم ده دخل حارة من الحارات، قربت من الحارة وبصيت من ورا مقبرة، ومن خلال ضوء النجوم البسيط لمحت جسم تاني..

كانت واحدة ست واقفة وتقريبا متسلسلة بسلاسل حديد، كانت واضحة اوي، وكان الجسم التاني بيقرب منها بهدوء شديد، وفي لحظة لقيت الجسم التاني وقع على الأرض وصرخ بكل رعب الدنيا، وشوفت الست من فوقه بتقطع فيه بسنانها وايديها، كان بيصيح ويتألم وهي من فوقه بتفترسه زي الحيوان المفترس، وصوتها كان مخيف، بتزوم بصوت أعلى من صوت صراخه..

وقتها انا كنت بتنفض، جسمي كله فقدت السيطرة عليه وقلبي كان بيدق بهيستريا، رجليا مبقتش شايلاني وانا بحاول ابعد عن المكان كله، لفيت و وفي اللحظة دي اتكعبلت في حجر كان على الأرض..

واتألمت من قوة الوقعة، وأول ما لفيت وبصيت ناحيتها لقيتها رفعت راسها وبصتلي، كل اللي لمحته كانت عينين مشقوقة بالطول زي التعابين ولونها أصفر مخيف، جسمي كله اتنفض مرة واتنين لحد ما قمت من مكاني وجريت..

ومن ورايا سمعت صرخة رهيبة، صرخة واحدة ست في ميتم وجوزها مات، مستنتش لحظة أبص عليها وجريت بأقصى سرعة ناحية المخرج، كان بيني وبينه تلت دقايق بس، من ورايا كنت سامع صوت خطواتها، كانت بتزوم وكأن كلب هو اللي بيجري ورايا..

ووصلت وقتها لمخرج المقابر، بصيت ورايا لقيتها جاية من بعيد وبتجري على اربع زي الحيوان، كملت جري وخرجت من المقابر عشان

عشان

يادي المصيبة..

انا لقيت نفسي في قلب المقابر من تاني، وبالأخص كنت فوق الجثة اللي كانت بتاكل فيها، بصيت بفزع رهيب ناحية الجثة ولقيت رجليها مقطوعة بطريقة بشعة..

بصيت لوشها وعرفته، ده محمد ابو مسعود، بصيت ورايا ناحية أول الحارة وشوفت اللي خلى قلبي وقف، كانت نفس العنين المشقوقة بالطول بتبصلي بشراسة..

بصيت ورايا لقيتها حارة مسدودة، وعرفت اني وقعت، وان نهايتي هتكون زي الجثة اللي تحت رجليا دي، حاولت اتشاهد عشان اقابل ربنا على شهادة مقدرتش..

رجعت لنهاية الحارة ولقيتها بتقرب مني وهي ماشية زي الحيوان، صوتها وصلني وخلى جسمي كله ينهار، وقعت على الأرض وبصتلها بصة واحد بيودع الدنيا..

وقتها كان بيني وبينها نص متر بس، ولمحت وشها كله، وبكل ذهول الدنيا رددت بلسان مشلول

“م م م منيرة”

“بداية اللعنة”

هرج ومرج وناس بتزعق برة في الشارع بطريقة غريبة، طلعت اشوف في ايه لقيتهم شايلين طفل مهروس تحت عجل جرار وعمالين يتشاهدوا، وعرفت ان دي جثة معاذ اللي من عيلة مسعود، عيل عنده تسع سنين بالكتير..

أول ما جثته وصلت لبيته ابوه واعمامه طلعوا بالسلاح فورا، عيلة بتاعت مشاكل واستحالة يتفهموا ان ده قدر واكيد قتل خطأ، وكان صاحب الجرار هو عم حسن، راجل ملوش عيلة وشغال باليومية..

اول ما عيلة مسعود عرفوا اللي حصل جريوا على بيته عشان يقتلوه، جريت معاهم انا وناس كتير من أهل البلد عشان نحاول نهديهم، بس كانوا مصرين على قتل اللي قتل ابنهم..

عم حسن وقتها كان في بيته بيجيب كفنه عشان يقدمه لعيلة مسعود، وأول ما شاف الناس جايين لبيته رمى نفسه من فوق السطح عشان يفدي أهل بيته والناس يبعدوا عن مراته وبنته..

بس حتى الراجل لما وقع وجسمه اتكسر محدش رحمه، ونزلوا على جسمه بالعصيان عشان يفرموه، ووسط الهرج ده ومحدش قادر يحوش عن الراجل واحد منهم كسر باب بيته ودخل جاب بنته الصغيرة عشان يقتلها قدام ابوها اللي بيحتضر، من باب واحدة بواحدة..

نص أهل البلد كانوا واقفين محدش فيهم كان قادر يتدخل، ومسك الراجل الخنجر عشان يقتل البنت قدام ابوها، في اللحظة دي خرجت الأم من بيتها بسكينة وغرزتها في صدر اللي كان هيقتل بنتها، ووقع الراجل سايح في دمه..

وزاد غضب عيلة مسعود اللي كان معاهم سلاح كتير، مسكوا الست ربطوها بسلاسل من حديد وسحلوها في الأرض، في الوقت ده انا بس اللي اتحركت، الكل كان واقف وملامح الذل عليه، محدش كان قادر يرفع عينه، حاولت اشد الست منهم بس نزلت عصاية على جسمي زي عمود الخرسانة، وقعت وانا بصرخ من الوجع، قمت تاني عشان الحق الست بس عصاية تانية على دماغي خلتني اقع من طولي ودماغي تسيح بالدم..

ونزل الدم على عنيا عشان اشوف اللي خلاني اتنفض، البت اتدبحت، وامها اتضربت بالبلطة في رقبتها، لحظتها بصتلي وعنيها خارجة من مكانها، بصتلي بنظرة ذهول ورعب ونهر من الدم نازل من رقبتها..

وبعد لحظات همد الجسم كله، بس اللي خلى الناس كلها تصرخ وترجع هو ان جسم الست قام وقف من تاني، وقف والبلطة في رقبته وبص للكل بصة غضب، بصة طاردت كل الموجودين في نومهم اسابيع طويلة، وفي النهاية وقعت جثة هامدة..

في الوقت ده ابويا جه هو واهلي خدوني على المستشفى، ومن صُلح لصُلح واعتذار عيلتي قبلت الاعتذار عشان منكبرش المصيبة..

المصيبة اللي كانت خلاص وقعت واتقتلت عيلة كاملة للأسف..

……….

“مممم منيرة”

لقيتها بتزوم وبتبصلي، كنت بتنفض مش قادر اتحرك، حسيت بيها بتشم في جسمي مرة واتنين وبتبص في عنيا بعنيها المخيفة، فضلت لاكتر من دقيقة مبحلقة فيا وانا عمال اشهق واتنفض، في النهاية جريت بعيد زي الحيوان، في اللحظة دي قمت زي السكران وخرجت من المكان كله وفيه غيبوبة عمالة تدور فوق راسي..

جريت على بيت جدتي اللي بعد المقابر بشارعين، خبطت عليها بقوة عشان تفتح وهي مخضوضة، أول ما شافتني خدتني في حضنها وفضلت تهدي فيا كتير، دخلت عندها واترميت على الكنبة من كتر الاجهاد والرعب..

تاني يوم صحيت وانا لسة اعصابي بايظة، قعدت مع جدتي وحكيت لها كل حاجة بالتفصيل، فضلت ساكتة مبتتكلمش، وفي النهاية قالت:

– الله يرحمك يا منيرة

– بقولك شوفتها يا جدتي، الست مماتتش

– اللي شوفته هو حارسها يا ولدي

– مش فاهم حاجة

– منيرة يا ولدي كان من العباد اللي ربك اختارهم وبعتلهم حماية كبيرة من عنده، ولما ماتت مظلومة اللي بيحرسها قرر ينتقم لها

– اللي بيحرسها ؟؟

– ايوة يا ولدي كانت من العباد اللي ليهم حماية من عباد الله اللي عايشين تحت الأرض

– وعرفتي منين يا جدتي

– كانت بتجيني يا ولدي كتير وتقعد معايا

– طيب وطالما هي محمية كدا، اللي عليها مدافعش عنها ليه وقت موتها

– بلاء يا ولدي، زي ما سيدك زكريا وسيدك يحيى ماتوا مقتولين وكانوا أنبياء من عند الله

– واللي بيقتل ده هيفضل كدا كتير

– هو مش ظالم يا ولدي، هيقتل كل اللي ظلم، اللي ارتكب، واللي شاهد الظُلم وما دافع بإيديه ولا رجليه ولا بلسانه

وقتها بس نور عقلي اوي، افتكرت كل اللي ماتوا، كلهم اما من عيلة مسعود أو من أهل البلد اللي شافوا الواقعة ومحدش دافع عن الست وجوزها، انا الوحيد اللي شافتني ومقتلتنيش عشان انا اللي دافعت عنها، وفهمت ليه بتقطع الرجلين والايدين وبتشيل العين من مكانها وتقطع اللسان، عشان مفترض الحواس دي تستخدمها لرفع الظلم

بصيت لجدتي وقولتلها:

– والحل

– الظالم لازم يتعاقب يا ولدي، وربك اسمه العدل، سيب الحارس ينتقم من اللي ظلم ومتخافش، طول مانت ماظلمت حد اياك تخاف، الظالم بس هو اللي يخاف، والحارس هيخلص مهمته وهيختفي، ودلوقتي اشرب الشاي بتاعك

وقتها بس ابتسمت، وافتكرت الأية اللي بتقول

” ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب لعلكم تتقون”

ياريت عيلة مسعود كانت خدت القصاص زي ما ربنا قال..

………..

“اتقوا الظُلم فإن الظُلم ظُلمات يوم القيامة”

Read Previous

الفنان المصري الوايلي يطلق أغنية عدد السكان بأسلوب الموسيقى الإلكترونية الشعبية 

Read Next

وزير الخارجية الفلسطيني يطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته تجاه حماية حقوق الأطفال

error: حقوق الناشر محفوظة
%d مدونون معجبون بهذه: