من القاهرة إلى خليج المكسيك.. تحريك أسعار الوقود في مصر وسط إعادة تشكيل خريطة النفط العالمية
في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تفرضها المتغيرات العالمية والمحلية، أقرت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في مصر، اليوم الأربعاء، زيادة جديدة في أسعار البنزين والسولار، وذلك ضمن مراجعتها الربع سنوية المعتادة. يأتي هذا القرار في توقيت دقيق تتشابك فيه التحديات المحلية مع تحولات جذرية في حركة النفط العالمية، لا سيما مع عودة الخام الفنزويلي للتدفق إلى المصافي الأمريكية، مما ينذر بتغيرات في معادلة العرض والطلب عالمياً.
تفاصيل الزيادة السعرية في مصر
بموجب القرار الجديد، قفزت أسعار بيع المنتجات البترولية في السوق المصري، حيث وصل سعر لتر بنزين 80 إلى 8 جنيهات، وبنزين 92 إلى 9.25 جنيه، بينما سجل السولار والكيروسين 7.25 جنيه للتر، بزيادة موحدة قدرها 50 قرشاً لكل منهم. أما بنزين 95، فقد شهد الزيادة الأكبر بقيمة جنيه واحد ليصل اللتر إلى 10.75 جنيه. ولم يقتصر التحريك على وقود السيارات، بل طال المازوت المورد لباقي الصناعات بزيادة 400 جنيه للطن ليصل إلى 5 آلاف جنيه، مع استثناء استراتيجي لمازوت الصناعات الغذائية والكهرباء للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية.
وتستند الحكومة المصرية في هذه المراجعات الدورية، التي بدأت منذ أكتوبر 2019، إلى معادلة سعرية تراعي تحركات النفط عالمياً وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، بالإضافة إلى تكاليف التشغيل، وذلك في محاولة لتقليص فاتورة دعم الطاقة في الموازنة العامة، خاصة وأن مصر تستورد غالبية احتياجاتها البترولية وتواجه أعباءً إضافية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
تحرك استثنائي للسولار وتأثيره على النقل
تكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة كونها المرة الأولى التي تقرر فيها الحكومة رفع سعر السولار منذ تطبيق آلية التسعير التلقائي، حيث كانت تحرص سابقاً على تثبيته لحماية قطاع النقل ومحدودي الدخل. ومباشرة عقب القرار، أعلنت وزارة التنمية المحلية أن تعريفة المواصلات العامة، سواء الداخلية أو بين المحافظات، ستشهد زيادة تتراوح بين 5% و7% لتعويض ارتفاع تكلفة التشغيل.
عودة الخام الفنزويلي وتغيير قواعد اللعبة عالمياً
وبينما تحاول القاهرة التكيف مع تكاليف الاستيراد المرتفعة، تشهد الساحة الدولية تطورات قد تعيد رسم مسارات تجارة الطاقة. إذ تتجه الأنظار حالياً نحو الولايات المتحدة، حيث يتوقع انخفاض الطلب الأمريكي على استيراد زيت الوقود (المازوت) هذا العام بشكل ملحوظ. يأتي ذلك تزامناً مع عودة الخام الفنزويلي الثقيل إلى الأسواق واستحواذ المصافي الأمريكية عليه، خاصة تلك الواقعة في ساحل الخليج والمجهزة للتعامل مع هذه النوعية من الخامات.
وتشير التقارير إلى أن التغيرات السياسية الأخيرة في فنزويلا مهدت الطريق لتدفق الإمدادات، حيث بدأت شركات تكرير كبرى مثل “فاليرو” و”فيليبس 66″ بالفعل في شراء شحنات من الخام الفنزويلي، ضمن اتفاقات سمحت بتصدير ملايين البراميل. ويرى خبراء السوق أن وصول هذه البراميل الثقيلة إلى المصافي الأمريكية سيغنيها عن استيراد زيت الوقود عالي الكبريت ومواد المزج الأخرى، حيث سيمكنها إنتاج هذه المواد داخلياً من الخام الفنزويلي بدلاً من شرائها من الخارج.
تداعيات الفائض على الأسواق الأوروبية والشرق الأوسط
هذا التحول في وجهة الخام الفنزويلي يحمل تداعيات مباشرة على موردين آخرين؛ فالمصافي الأمريكية في ساحل الخليج قد تقلص وارداتها من زيت الوقود العراقي، الذي شهدت صادراته إلى أمريكا قفزة هائلة (نحو تسعة أضعاف) في الفترة من 2019 إلى 2025. وبحسب تقديرات محللين في “إنرجي آسبكتس”، فإن المصافي الأمريكية قادرة على استيعاب مئات الآلاف من البراميل يومياً من النفط الفنزويلي، مما يغلق الباب أمام الواردات التقليدية.
ومع تراجع الشهية الأمريكية للاستيراد، يتوقع التجار وفرة في المعروض العالمي من زيت الوقود، مما سيضغط على الأسعار وهوامش الربح في منطقة الأطلسي وأوروبا. وقد بدأت المؤشرات تظهر بالفعل، حيث سجلت هوامش تكرير زيت الوقود عالي الكبريت في مراكز التداول الأوروبية (أمستردام-روتردام-أنتويرب) انخفاضاً لأدنى مستوياتها في 18 شهراً، مما يؤكد أن المشهد الطاقي العالمي مقبل على مرحلة جديدة من إعادة التموضع، قد تلقي بظلالها على قرارات التسعير في دول مستوردة مثل مصر مستقبلاً.









