تحديات الأنظمة المالية المعاصرة: السيادة النقدية في سوريا والتحول الرقمي في المكسيك
تواجه الأنظمة المالية حول العالم تحديات هيكلية متباينة تتطلب سياسات نقدية مرنة ومبتكرة. ففي منطقة الشرق الأوسط، تبرز مسألة حماية العملة الوطنية كأولوية قصوى للحكومات. حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، حسم النقاش الدائر حول مسألة استبدال العملة، مؤكداً بوضوح أن الليرة السورية الجديدة تمثل الرمز الأوحد للسيادة النقدية للبلاد. هذه الخطوة تأتي ضمن تنسيق موسع مع الجهات المختصة لضبط البيئة النقدية، لضمان استقرار الأسواق وحماية مصالح المواطنين في كافة المحافظات.
استبدال سلس بعيداً عن تقلبات الدولار
عملية إحلال النقد القديم بآخر جديد تسير وفق خطة مدروسة بعناية لتكون مرنة ولا تفرض أي أعباء إضافية أو مفاجئة على السوريين. الحصرية كان حاسماً حين نفى أي ارتباط بين هذا الإجراء وحركة القطع الأجنبي أو الدولار الأمريكي، موضحاً أن الهدف من الاستبدال ليس تقييد العملات الأجنبية أو التأثير على الاحتياطيات النقدية للبلاد بأي شكل من الأشكال.
أما فيما يخص تداول العملات الأخرى كالليرة التركية، فإن القوانين المنظمة لها تختلف كلياً عن مسار استبدال الليرة السورية. سحب العملة التركية من التداول بدأ بالفعل في وقت سابق وبخطوات منفصلة ومستمرة، ولا يمثل الهدف الأساسي لعملية الاستبدال الحالية. ولضمان سير العملية بنجاح وشفافية، أجرى وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار برفقة حاكم المصرف المركزي جولة ميدانية تفقدية شملت عدة مراكز مخصصة لاستبدال العملة في العاصمة دمشق. المسؤولان وقفا على آليات العمل ومدى الالتزام بالضوابط الرسمية، وسط دعوات مستمرة للإعلام بالابتعاد عن الشائعات واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية الموثوقة.
مفارقة الاقتصاد المكسيكي
وبينما تركز دمشق جهودها على ترسيخ سيادتها النقدية وضبط أسواقها، تخوض المكسيك معركة اقتصادية من نوع آخر تتمثل في سد الفجوات الهيكلية داخل نظامها المصرفي. المكسيك تعيش مفارقة اقتصادية واضحة؛ فهي تمتلك اقتصاداً ضخماً ومتطوراً يرتبط بشدة بسلاسل التوريد في أمريكا الشمالية ويحتل مكانة مركزية في قطاع التصنيع العالمي، ناهيك عن امتلاكها قاعدة ديموغرافية شابة تعد من الأكثر ارتباطاً بالإنترنت بين الاقتصادات الكبرى. ورغم الاستقرار المالي الممتد لعقود وتمتع القطاع المصرفي برأس مال قوي وسيولة وفيرة مكنته من امتصاص الصدمات العالمية المتتالية وصولاً إلى جائحة كورونا، إلا أن الوصول إلى الخدمات المالية لا يزال غير متكافئ جغرافياً واجتماعياً.
القطاع المصرفي المكسيكي يدير أصولاً تتجاوز قيمتها 45 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعود الفضل في تطوره الحالي إلى سلسلة إصلاحات جذرية جرت في التسعينيات. تلك الإصلاحات مهدت الطريق لدخول البنوك الأجنبية، وخاصة الإسبانية منها، والتي ساهمت في تسريع وتيرة النمو وتعميق المنتجات المالية، حتى باتت تعتبر السوق المكسيكي اليوم أكثر أهمية وربحية من أسواقها المحلية في أوروبا. رغم هذا التطور، يعتمد نصف البالغين تقريباً على التعاملات النقدية “الكاش” لافتقارهم إلى حسابات بنكية رسمية، كما تعمل ملايين الشركات الصغيرة والمتوسطة خارج المظلة المصرفية بسبب ضعف مستويات الائتمان وسوء توزيع الفروع والخدمات الاستشارية.
مستقبل مصرفي هجين
في قلب هذا المشهد المعقد، تبرز تجربة بنك “ميفيل” الذي تأسس إبان فترة تحديث القطاع المصرفي المكسيكي في التسعينيات، ليجسد اليوم التوجه الجديد للبنوك هناك. المؤسسة أدركت أن هذا التناقض المالي هو التحدي الأكبر والفرصة الذهبية في آن واحد. البنك تبنى نموذجاً استراتيجياً يجمع بين الموثوقية وقوة الميزانية العمومية للمؤسسات الخاضعة للرقابة، وبين سرعة وبساطة شركات التكنولوجيا المالية (الفينتيك) التي تركز بالأساس على تجربة المستخدم.
هذا التوجه الهجين لم يعد مجرد خيار في المكسيك، بل أصبح ضرورة حتمية. الأجيال الشابة باتت تتوقع خدمات مالية فورية وشفافة تعتمد على الهواتف المحمولة بالأساس، خاصة في ظل امتلاك أكثر من 80 بالمئة من البالغين هواتف ذكية واتصالاً بشبكة الإنترنت. استجابة لهذه التغيرات السريعة، تحولت المكسيك إلى ثاني أكبر بيئة حاضنة لشركات التكنولوجيا المالية في أمريكا اللاتينية بعد البرازيل، محتضنة ما يقرب من ألف شركة تعمل في مجالات الدفع والتمويل وإدارة الثروات. هذه الشركات لا تتنافس لإلغاء البنوك التقليدية، بل تتكامل معها لرسم ملامح مستقبل مصرفي لا يعتمد على خيار ثنائي إما تقليدي أو رقمي، بل يرتكز على المرونة التكنولوجية والثقل المؤسسي لدمج ملايين المستبعدين مالياً.









